وسط مشاعرٍ غامرة بالحزن وألم الفقد، ووسط حضورٍ مهيب من العلماء والفضلاء والسادة وأهالي المنيزلة الكرام، أحيت لجنة (أثر يبقى) مساء أمس الجمعة في حسينية آل البيت عليهم السلام بالمنيزلة الحفل التأبيني لأربعينية رمز الخدمة والعطاء سماحة العلامة الشيخ كاظم بن ياسين الحريب رحمه الله، الذي ارتحل عن الدنيا عن عمرٍ ناهز الستين عاماً، قضى منها ما يقارب سبعةً وثلاثين عاماً في خدمة الدين والمجتمع، عالماً عاملاً، ومربّياً، ومرشداً، وأباً وأخاً للجميع.
جاء الحفل محمّلاً بدموع الوفاء ولوعة الفقد، مستعيداً سيرة الراحل العطرة التي تركت أثراً بالغاً في مجتمع المنيزلة على وجه الخصوص، والمجتمع الأحسائي على وجه العموم، ومجسّداً ما خلفه الشيخ من محبةٍ واسعة وبصمةٍ باقية في وجدان الناس.
استُهل الحفل بتقديمٍ مؤثراً للأستاذ علي بن محمد الأحمد، الذي استفتح بكلماتٍ استحضرت نور السيرة وعمق الفقد بقوله: «نجتمع هذه الليلة تحت ظل الرحمة وفي حضرة الذكرى الطيبة لنحيي أربعين سماحة العلامة الشيخ كاظم الحريب، ذاك الرجل الذي رحل جسداً وبقي أثره يمشي بين الناس نوراً لا يخبو… رجلٌ كان نبضاً للخدمة وصوتاً للخير ورمزاً للتقوى والعطاء».

وأكد أن هذا التجمع المهيب «أعظم شهادة تُهدى لروح رجل عاش لله، وخدم لله، ورحل إلى الله».
ثم افتُتح الحفل بتلاوةٍ مباركة من الذكر الحكيم تلاها القارئ السيد نوح الموسوي وسط أجواءٍ من الخشوع، حيث لامس صوت القرآن قلوب الحضور وعمّق لحظة الوداع.

تلت ذلك كلمة أهالي المنيزلة التي ألقاها سماحة الشيخ حبيب بن محمد الأحمد، الذي جمعته بالشيخ الراحل علاقة فكرٍ ورسالة، وأخوةٍ ومحبّة، وعشرةٌ طويلة، وشراكةٌ في طلب العلم وحمل هموم المجتمع. وقد ألقى الشيخ حبيب كلمةً وُصفت بأنّها من أعمق ما قيل في العلامة الشيخ كاظم الحريب، ألقاها بكل فخرٍ وألم، فيما استمع لها الحضور بإنصاتٍ وحزنٍ بالغ لشموليتها وملامستها لجوانب شخصية الراحل ومسيرته.

واستعرض الشيخ في كلمته ملامح شخصية الراحل، متحدثاً عنه بوصفه عالماً عاملاً ورجلاً استثنائياً جمع بين العلم والخدمة، وبين الفقه والتواضع، وبين البصيرة والروح، وقال إن الشيخ «لم يكن مجرد عالماً بين العلماء، بل جذراً يغذّي الأرواح، ويصلح شؤون الناس، ويعيد معنى القدوة».
وأوضح أن الشيخ كان «رجلاً خُلق ليخدم»، يفتح قلبه قبل كتابه، ويستقبل الناس قبل السؤال، ويسعى إلى الإصلاح بلا طلبٍ ولا انتظار، مردداً دائماً: «أهم شيء أن يكون في هذا رضا للإمام المهدي أرواحنا لتراب مقدمه الفداء».
وتحدث عن دوره الكبير في مركز التنمية الاجتماعية بالعمران، حيث كان «طبيباً للقلوب»، يعالج المشكلات الأسرية ويعيد الوئام لبيوتٍ كانت على حافة الانهيار، مؤكداً أنه أعاد الاستقرار لعشرات البيوت «وكان يعمل بصمتٍ ونبلٍ وصدقٍ لا يعرفه إلا الله».

كما تناول الشيخ حبيب قدرة الراحل على استشراف المستقبل وصناعة الرجال والشباب، وفتح الأبواب لهم، وتكليفهم بالمهمات الاجتماعية حتى أصبح كثيرٌ منهم اليوم قاماتٍ مجتمعية هو من أطلق طاقاتها. وتحدث عن قربه من الفقراء، وبنائه للبيوت المتهالكة لهم، وتعاملِه معهم كقضيةٍ إيمانية. وأشار إلى أن ثقة المراجع بالشيخ ومنحه الوكالات الشرعية كانت «شهادةً على علمه وورعه وأمانته»، مؤكّداً أن «من يعيش لله لا يرحل… يبقى أثره في كل بيتٍ أصلحه، وفي كل شابٍ صنعه، وفي كل فقيرٍ واساه».
ثم اعتلى المنبر الشاعر الحاج شريدة بن صالح العيد، فغلب عليه وجع الفقد، وألقى قصيدته المؤثرة التي استمع لها الحاضرون بحزنٍ، وقد حملت صدق اللوعة وعمق العلاقة التي جمعته بالراحل ومدى فقد المجتمع برحيله.

بعد ذلك جاء دور كلمة اللجنة، وتقدّم لتلاوتها الأستاذ أحمد بن عبدالله الأحمد رئيس مجلس إدارة جمعيتي ملاذ الخير للإسكان التنموي وأمان للخدمات الإنسانية، الرجل المعروف بثباته وخدمته ووفائه، والساعد الأيمن للشيخ في مشاريع الإصلاح، والصوت الأمين في ساحات العمل الخيري.
وفي كلمته، تحدث عن اللحظة التي طرق فيها نبأ الرحيل مسامعهم، وكيف اتخذ منذ تلك اللحظة عهدًا بأن يضع الحزن جانباً ليتحمّل مسؤولية الوفاء للراحل.
وأشار إلى أنهم اندفعوا فوراً لتنظيم مراسم التشييع التي شهدت حضوراً بالآلاف، معتبراً ذلك «حدثاً استثنائياً بحجمه وهيبته، وتنظيمه وانسيابيته»، ومؤكداً أن ما حدث ليس غريباً على لجانٍ تربّت في مدرسة الشيخ «مدرسة الحكمة وإدارة المواقف الصعبة وتحويل الأزمات إلى فرص».
وتحدث عن استمرار المسيرة، مؤكداً أن المشاريع الاجتماعية والخدمية التي وضع الشيخ أساسها ستستمر «حجراً بعد حجر، وسنةً بعد سنة»، وأنهم اليوم أقوى وأكثر وعيّاً واقتداراً ببركة الروح التي تركها الشيخ فيهم. وأضاف: «هذا ليس كلاماً إنشائياً… بل عهدٌ قطعناه نحن أبناؤه وإخوانه ومحبيه، وسنظل نترجم وصاياه أعمالاً قبل الأقوال».
وختم بقوله: «فنم قرير العين يا أبا محمد… فقد تركت رجالاً يحملون الأمانة، ويواصلون طريقك كما أردت».
وفي هذا السياق، أعلن الحفل عن انبثاق لجنة (أثر يبقى)، وهي لجنة تُعنى بتوثيق تراث الشيخ الراحل، وحفظ مآثره ومبادراته، ورعاية مشاريعه الاجتماعية، وتحويل سيرته العطرة إلى أثرٍ ممتد للأجيال.
ثم قُدّم الأوبريت الفني الإنشادي التعبيري «نداء اليتامى» من كلمات الأستاذ بدر السالم والأستاذ علي المحيسن، وأداء الرادودين أبو تقي الهجري وعدنان الدليم، والمنشدين أحمد السالم وحسن البحر، وسط تفاعلٍ كبيرٍ من الحضور الذين استعادوا من خلاله حضور الشيخ في الجوامع والمحراب والدعاء.

وأُعرض بعد ذلك الفيلم المرئي «رمز الخدمة والعطاء» الذي وثّق مسيرة الراحل منذ نشأته المباركة، مروراً ببذور العلم، ورحلته الحوزوية، وجهوده الاجتماعية والتبليغية، وعلاقته بالعلماء، ومشاريعه الإصلاحية والأسرية، وصولاً إلى نضجه الفكري ومسيرته في خدمة المجتمع.
واختُتم الحفل بمجلسٍ حسيني للخطيب الملا جعفر الموسى وسط أجواءٍ من الخشوع والبكاء، رُفعت فيه الأدعية لروح الراحل بالرحمة والرضوان.
رحم الله العلامة الشيخ كاظم الحريب… وجعل أثره باقياً في القلوب والأعمال، ما بقي الليل والنهار.




























مزيد من الصور [440 صورة] (اضغط هنا)







التعليقات 1
1 pings
سهام البوشاجع
2025-11-30 في 9:17 ص[3] رابط التعليق
بارك الله فيكم من لجنة ومنظمين وداعمين ورحم الله الشيخ رحمة الأبرار
التقرير أكثر من رائع سلمت الأقلام والأفكار .