في قلب التراث الاجتماعي الأحسائي ينبثق شهر رمضان المبارك كنسيج من العادات والتقاليد العميقة الجذور، التي تزيد من متانة العلاقات بين الأسر والجيران، وتثبت أن المجتمع الحساوي فخرٌ في التكافل والتراحم الاجتماعي. ومن بين أرقى هذه العادات، تبادل الإفطار، التي لا تعد مجرد تقليد غذائي، بل قيمة إنسانية متجددة تعبر عن روح المشاركة، والمحبة، والتواصل بين أفراد الحارة الواحدة.
أصل العادة ومعناها في المجتمع الأحسائي
في الماضي، كان تبادل الأطباق قبل الإفطار أحد أهم مظاهر التواصل الاجتماعي بين جيران الأحساء. فقد اعتاد الأهالي على إعداد أطباقهم التقليدية قبل موعد الإفطار بقليل، ثم إرسال جزء منها إلى أهل الجيران، سواء كانوا أقارب أو أصدقاء أو جيران مقرّبين، في لفتة تعكس مشاركة الفرح والبركة قبل أذان المغرب. وقد عرف هذا الفعل في بعض المناطق الخليجية باسم الناقصه – أي أن الإنسان يأخذ من طعامه ليهبّه لغيره – وهو اسم مشتق من مفهوم العطاء والإيثار حتى في الأوقات التي يكون فيها كل شخص منشغلاً بتحضير وجبته الرئيسية.
هذه العادة لم تكن مربوطة فقط بالطعام، بل كانت تجسيدًا لمبادئ التآلف والتكافل التي أرساها المجتمع الإسلامي، حيث كان الجار جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، والمسافة بين البيوت قريبة، مما يسهل انتقال الأطباق والأحاديث والضحكات قبل الإفطار.
الأطباق المتبادلة وأسماءها المحلية
في الأحساء، كانت موائد الإفطار تزدان بأطباق تراثية تنتمي إلى الذاكرة الشعبية، ومن أشهرها:
- الهريس: طبق يقدم في كثير من المناسبات، محضر من القمح واللحم، ويتميز بقوامه الدسم والمغذي.
- (اللقيمات): حلويات صغيرة محلاة تُرسل كنوع من المشاركة البهيجة.
- البلاليط : طبق محلي له مذاق اجتماعي خاص في رمضان، وقد يتم تبادله بين الأسر في الأحياء التقليدية.
في بعض القرى والحارات القديمة، كان الأطفال يقومون بتوزيع هذه الأطباق، حاملين الصحون أو الأطباق المزينة بأجمل أشكالها، كنوع من المشاركة الطفولية في العادة الاجتماعية، قبل أن يدق مؤذن المغرب آخر أذانه في الحي ويتجمع الكبار والصغار حول موائد الإفطار.
الدلالات الاجتماعية والإنسانية للعادة
لم تكن هذه الممارسة مجرد تبادل طعام، بل جسّدت قيم الود، والمحبة، والتقارب بين الناس؛ فالرجل الذي يرسل طبق هريس إلى جاره لا يرسل مجرد طعام، بل إرسال تحية احترام، ومودة، وتهنئة بالشهر الكريم. وفي تلك الدقائق قبل الإفطار، كان الحي كله يبدو وكأنه خلية من التكافل والتفاعل، حيث تنتقل الأقدام في الأزقة، وتعلو الأصوات بالدعوات الطيبة والهِبات الرمضانية.
وقد ربط كبار السن هذه العادة بحديث نبوي شريف يؤكد أهمية جوع الجار وعدم تركه وحده، مما يجعلها أكثر من مجرد غرس اجتماعي، بل امتداد لقيم إسلامية نبيلة.
هل العادة ما زالت قائمة أم اندثرت؟
على الرغم من أن روح التكافل في المجتمع الأحسائي لا تزال حية، فإن شكلها في تبادل الإفطار تغير مع مرور الزمن. ففي العقود الماضية، حافظ بعض الأهالي في الأحياء القديمة والقرى الصغيرة على هذه العادة، خصوصًا بين الأسر التي تتمتع بروابط قوية، وتعدّد الزيارات اليومية جزءًا من نمطها المعيشي.
مع ذلك، فإن التحولات الاجتماعية الحديثة، كالتوسع العمراني، وابتعاد جيران الحي الواحد عن بعضهم البعض، والانشغال بالحياة اليومية والعمل، ساهمت في تراجع هذه الممارسة في بعض المناطق. فكما هو الحال في أجزاء أخرى من المملكة، فإن الكثير من الناس بدأوا يتلقون تبادل الأطباق على نطاق أضيق أو يحتفظون به في المناسبات الخاصة فقط.
غير أن هذا لا يعني اندثار العادة تمامًا، بل ظهورها بصيغٍ محدثة، تراعي الواقع الجديد؛ فبعض الأسر الآن تشارك وجباتها مع الجيران عبر دعوات إفطار جماعي أو من خلال استضافات قصيرة، إضافة إلى المبادرات الخيرية التي تعزز مبدأ المشاركة وتقديم الطعام للمحتاجين خلال الشهر الكريم.
إن عادة تبادل الإفطار في الأحساء ليست مجرد تقليد موسمي، بل تراث إنساني نابض بالمعاني، يعكس روح التضامن الاجتماعي ومحبة الخير، وسجلًا حيًا من قيم المجتمع الأحسائي في الأعراف اليومية. وقد اختلفت مظاهرها بين الماضي والحاضر، لكن جوهرها – التضامن والمشاركة – ما يزال حاضرًا في قلوب الناس، ويدعونا جميعًا إلى الحفاظ على هذا التراث، وتوريثه للأجيال القادمة كرمز حقيقي للهوية الاجتماعية الأصيلة.



