في أجواء إيمانية مفعمة بالحزن والوفاء، أدّى العلامة سماحة السيد محمد رضا السلمان الموسوي (بو عدنان) صلاة الجمعة اليوم في جامع الإمام الجواد (ع) بالمنيزلة، حيث ألقى كلمة دينية واجتماعية جامعة، استعرض فيها محاور عقائدية وتربوية، قبل أن يخصص جانباً مؤثراً لتأبين فقيد الساحة العلمية والاجتماعية ، العالم العامل والمربي الفاضل سماحة الشيخ كاظم بن ياسين الحريب رحمه الله، الذي ارتحل صباح الأربعاء 30 ربيع الأول من العام الجاري عن عمر ناهز الستين عاماً، بعد مسيرة زاخرة تجاوزت 37 عاماً في خدمة الدين والمجتمع عبر الوعظ والإرشاد والتعليم والعمل الخيري والإصلاح الأسري وقيادة ودعم المشاريع الاجتماعية والتطوعية.
وجاءت استضافة سماحته بالتنسيق بين لجنة “أثر يبقى” وإدارة الجامع، فيما استهل البرنامج بكلمة ترحيبية ألقاها إمام جامع الإمام الجواد (ع) سماحة الشيخ حبيب بن محمد الأحمد، عبّر فيها عن عمق العلاقة التي تربط السيد بالمنيزلة، مؤكداً أنها “ليست علاقة عابرة، بل علاقة محب صادقة ووفاء عميق”، مشيراً إلى حضوره الدائم ومشاركته الأهالي أفراحهم وأحزانهم، ودعمه السخي لمشاريع البلدة، واصفاً إياه بأنه “وجه مشرق وأمين ومعلّم مخلص”.
وفي مستهل خطبته، استحضر السيد بو عدنان البعد العقائدي في الانتماء لمدرسة أهل البيت (ع)، متوقفاً عند شخصية الإمام جعفر الصادق (ع) ودوره في ترسيخ معالم الدين، قائلاً:“من منن الله علينا أن نُضاف إلى جعفر بن محمد، فيقال عنا جعفرية، شرف ليس فوقه شرف”، مبيناً أن هذا الانتماء لا يكتمل إلا بالاقتداء العملي والسلوكي.
وتناول سماحته الظروف التي عاشها الإمام الصادق (ع)، مشيراً إلى تعدد المدارس الفكرية والانحرافات التي واجهها، مؤكداً أن الحكمة والصبر كانا أداته في إعادة الدين إلى صفائه، حيث قال: “استطاع بصبره ونفاذ حكمته أن يتجاوز كل العوائق ليعيد الإسلام غضّاً طرياً كما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم”.
وفي سياق حديثه عن الواقع المعاصر، حذّر من الانغلاق الفكري والتشدد، موضحاً:“التشنج في العقيدة لا يولد إلا ضياعاً، والتزمت لا يولد إلا شتاتاً”، داعياً إلى تبني منهج الاعتدال والانفتاح الواعي المستند إلى الثوابت.
كما شدد على أهمية إصلاح النفس والارتقاء بالعبادة، مؤكداً أن الشكلية لا تحقق الغاية المرجوة، قائلاً: “كثير من الناس بات يتخذ العبادة تخلصاً من واجب، وهذا لا يرتقي بالإنسان ولا يزكي نفسه”، مشيراً إلى أن الصلاة الحقيقية هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر وترتقي بالروح.
وفي محور التربية، وجّه نداءً مباشراً للأبناء والشباب، قائلاً: “عليكم بأنفسكم… الأمواج عاتية والاضطرابات واضحة”، داعياً إلى تحصين الجيل بالوعي وربط العبادة بحقيقتها كوسيلة لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع.
واختتم هذا الجانب بالتأكيد على رسالة الإنسان في الحياة، مبيناً أن كل فرد يحمل مسؤولية الهداية والبناء، حيث قال:“كلنا نحمل رسالة أن نكون هداة مهتدين… وهذا لا يكون إلا إذا كان المنطلق من الروح إلى الروح ومن القلب إلى القلب”.
وانتقل السيد بو عدنان إلى تأبين الفقيد سماحة الشيخ كاظم الحريب رحمه الله بكلمات امتزج فيها الحزن بالفخر، مستهلاً حديثه بالإشارة إلى وقع الخبر عليه، قائلاً: “صدمني نبأ وفاته… والقصيدة التي قُرئت كانت وليدة خمس دقائق لشدة التفاعل”، في دلالة على عمق العلاقة التي جمعتهما.
وأكد أن الفقيد لم يكن شخصية تقليدية، بل نموذجاً متحركاً في خدمة الناس، قائلاً: “لم يكن مجرد رجل دين تعلم وابتعد… وإنما اختار لنفسه الحراك، وجعل قدوته النبي الذي لم يتخلَّ عن استثمار لحظة من حياته”.
وأضاف أن ما يميز الشيخ الحريب هو تفانيه الاستثنائي، مشيراً إلى أنه: “يرضى أن يواصل الليل بالنهار في سبيل إصلاح ذات البين أو دعم مشروع أو خدمة إنسان”، مؤكداً أنه لم يجد مثله في مستوى الحضور الاجتماعي في مختلف مناطق الأحساء.
وتوقف عند أبرز صفاته، مشدداً على قيمة الصدق التي جسدها، قائلاً: “أحببت فيه الصدق… كان صادقاً مع نفسه ومع الناس ومع الله، ولا يتحرك إلا ضمن حدود مدرسة محمد وآل محمد”.
كما أشاد بعلاقته برجال الدين، وحرصه على حفظ مكانتهم، مضيفاً:“كان شديد الحرص على ألا تُخدش كرامة رجل دين… وكان حنون القلب، محباً للجميع دون تمييز”.
وسلّط السيد الضوء على مسيرة الفقيد الطويلة في خدمة المجتمع، مؤكداً أن علاقته بالمنيزلة امتدت لعقود دون أن تتغير، قائلاً: “أربعة عقود تصرّمت… والحب هو الحب والصدق هو الصدق والوفاء هو الوفاء”، مشيراً إلى أثره الكبير في ترسيخ روح التعاون والعمل الجماعي.
كما بيّن أن طريق الإصلاح لم يكن سهلاً، مستحضراً ما واجهه الفقيد من تحديات، قائلاً: “ما من مصلح إلا وتعرض للعقبات… لكنه كان يتجاوزها بروح العفو، مستحضراً قوله تعالى: والعافين عن الناس”.
وأشار إلى أن خدمة الناس كانت نهجاً أصيلاً في حياته، مضيفاً: “كان يستقبل الناس بقلبه الكبير… قلب لا ينبض إلا بالمحبة”، لافتاً إلى أن شواهد عطائه في الواقع أكثر من أن تُحصى.
وفي ختام كلمته، وجّه السيد بو عدنان رسالة لأهالي المنيزلة، داعياً إلى الحفاظ على الإرث الذي تركه الفقيد، ومساندة العلماء، قائلاً: “هذه البلدة أمانة في أعناقكم… وهذا شيخكم فاحبوه وتعاونوا معه”، مؤكداً أن استمرارية العطاء تتطلب تكاتف الجميع.
كما حذّر من إيذاء المؤمنين والعلماء، مستشهداً بالحديث الشريف: “من آذى مؤمناً فقد آذاني… ومن آذاني فقد آذى الله”، مبيناً خطورة الكلمة والظلم حتى بعد رحيل الإنسان.
واختتم السيد كلمته بالدعاء للفقيد، مؤكداً مكانته الكبيرة في قلبه، قائلاً: “فقيدنا كبير في قلبي… وبيننا أسرار لا تُقال”، قبل أن يدعو الحضور لقراءة الفاتحة على روحه، وسط مشاعر مؤثرة جسدت حجم الفقد الذي تركه الراحل في نفوس محبيه.
















