شهدت الأوساط العلمية خلال عامي 2024 و2025 تصاعدًا واسعًا في الاهتمام بظاهرة الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والنانوية بعد اكتشاف وجودها داخل أنسجة الدماغ البشري، في تطور وصفه باحثون بأنه قد يمثل أحد أبرز تحديات الصحة العامة خلال العقود المقبلة.
وكشفت دراسات حديثة أجرتها فرق بحثية دولية، من بينها فريق من جامعة نيو مكسيكو الأمريكية بقيادة الباحث ماثيو كامبن، عن رصد تراكيز من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة داخل أدمغة بشرية خضعت للتحليل المخبري، بكميات فاقت ما تم العثور عليه في أعضاء أخرى مثل الكبد والكلى.
وأظهرت النتائج أن تركيز البلاستيك في الدماغ تراوح بين 7 و30 ضعفًا مقارنة ببعض الأعضاء الحيوية الأخرى، فيما أشارت تقديرات مخبرية إلى أن الكمية المكتشفة قد تعادل تقريبًا “ملعقة صغيرة” من البلاستيك الدقيق داخل الدماغ البشري، وهو توصيف أثار جدلًا واسعًا في الأوساط العلمية والإعلامية.
ويرى الباحثون أن الطبيعة الدهنية للدماغ قد تفسر هذا التراكم المرتفع، إذ يتكون الدماغ البشري من نحو 60% من الدهون، في حين تتميز الجزيئات البلاستيكية النانوية بقدرتها على الارتباط بالأنسجة الدهنية والتسلل عبر الحواجز البيولوجية الدقيقة بسبب صغر حجمها الشديد.
ووفقًا للدراسات، فإن هذه الجزيئات قد تصل إلى الدماغ عبر مجرى الدم بعد دخولها الجسم من خلال الطعام والمياه والهواء، كما يعتقد بعض العلماء أن جزءًا منها قد ينتقل مباشرة عبر الأنف من خلال العصب الشمي دون المرور بالحاجز الدموي الدماغي.
كما سلطت الأبحاث الضوء على احتمال وجود علاقة بين تراكم البلاستيك الدقيق وبعض الاضطرابات العصبية، بعدما أظهرت تحاليل ارتفاع مستويات هذه الجزيئات في أدمغة أشخاص كانوا يعانون الخرف قبل الوفاة، خصوصًا في مناطق مرتبطة بالذاكرة والتفكير مثل القشرة الجبهية.
ورغم ذلك، شدد الباحثون على أن النتائج الحالية لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين البلاستيك والأمراض العصبية، مؤكدين أن الدراسات ما تزال في مراحل مبكرة، وأن الأمر يحتاج إلى أبحاث طويلة المدى لفهم التأثيرات الفعلية لهذه الجزيئات على صحة الإنسان.
وفي المقابل، حذر عدد من العلماء من المبالغة في تفسير النتائج، مشيرين إلى أن تقنيات الكشف عن الجزيئات البلاستيكية النانوية ما تزال شديدة الحساسية، وقد تتأثر بسهولة بالتلوث المخبري الناتج عن الهواء أو الأدوات أو الملابس المستخدمة أثناء التحليل.
ويأتي هذا الجدل العلمي في وقت تشير فيه تقديرات دولية إلى تضاعف إنتاج البلاستيك عالميًا خلال العقود الأخيرة، مع توقعات باستمرار الارتفاع بحلول عام 2040، ما يزيد من مخاوف الخبراء بشأن اتساع نطاق التعرض البشري للجزيئات البلاستيكية الدقيقة عبر الأغذية والمياه والهواء.
وفي ظل غياب أي وسائل طبية لإزالة هذه الجزيئات من الجسم، يوصي مختصون باتباع إجراءات وقائية تهدف إلى تقليل التعرض اليومي للبلاستيك، من بينها تجنب تسخين الطعام داخل العبوات البلاستيكية، واستخدام الأواني الزجاجية أو المعدنية، والحد من استهلاك الأغذية المعلبة والمعالجة، إضافة إلى تحسين تهوية المنازل واستخدام فلاتر مياه عالية الجودة.
ويؤكد علماء أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان “التلوث البلاستيكي” سيمثل تهديدًا عصبيًا طويل الأمد للبشر، أم أن وجود هذه الجزيئات داخل الجسم سيظل مجرد مؤشر بيئي يحتاج إلى مزيد من الفهم العلمي.




