يشير عدد متزايد من الدراسات العلمية إلى أن مضغ العلكة قد يحسن مستوى التركيز واليقظة الذهنية أثناء أداء مهام تتطلب انتباهًا مستمرًا، وإن كانت الأدلة لا تزال متفاوتة الحسم بحسب طبيعة المهمة ومدتها.
ومن أبرز الدراسات في هذا المجال بحث أجرته الباحثة كيت مورغان بالتعاون مع الجمعية البريطانية لعلم النفس، شمل 38 مشاركًا قُسِّموا إلى مجموعتين أدّتا مهمة استماع استمرت 30 دقيقة تطلبت تمييز تسلسل أرقام فردية-زوجية-فردية ضمن سلسلة عشوائية.
وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين مضغوا العلكة كانوا أسرع في زمن الاستجابة وأكثر دقة في الإجابات، خصوصًا في المراحل الأخيرة من المهمة حين يبدأ التركيز عادة بالتراجع لدى غير الماضغين.
وفي دراسة أخرى أُجريت على أربعة فصول من طلاب الصف الثالث الابتدائي “8-9 سنوات” في مدرسة ألمانية، وجد الباحثون أن مضغ العلكة أثناء اختبار تركيز استمر 16 دقيقة كان له أثر إيجابي وواضح إحصائيًا على أداء الطلاب مقارنة بأقرانهم الذين لم يمضغوا العلكة.
كيف يفسر العلماء هذا الأثر؟
يطرح الباحثون أكثر من تفسير للآلية الكامنة وراء هذه النتائج؛ تقول إحدى النظريات إن مضغ العلكة يرفع من توافر الغلوكوز في الدماغ نتيجة زيادة النشاط الأيضي المصاحب للمضغ، بينما تستند نظرية أخرى إلى ما يُعرف بـ”فرضية الاستثارة المثلى”، ومفادها أن الفائدة المعرفية ناتجة عن ارتفاع مستوى اليقظة والانتباه العام أثناء المضغ.
وقد وثّقت دراسات أن المضغ يرفع معدل ضربات القلب وضغط الدم ومستوى هرمون الكورتيزول وتدفق الدم الدماغي، وهي تغيرات فسيولوجية ترتبط عادة بتحسّن الوظائف المعرفية.
كما أظهرت مراجعة منهجية منشورة عبر قاعدة “PubMed” أن المضغ ينشط الجهاز الشبكي الصاعد المسؤول عن تنظيم مستوى اليقظة في الدماغ، ما يسرع من عمليات المعالجة الذهنية، فيما رصدت دراسات تصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي “fMRI” ارتفاعًا في نشاط القشرة الحزامية الأمامية والتلفيف الجبهي الأيسر أثناء المضغ، وهما منطقتان مرتبطتان بالوظائف التنفيذية والانتباه.
خلف الكواليس: التفسير الفسيولوجي الأعمق
تعمّق عدد من الباحثين في دراسة التغيرات الفسيولوجية الدقيقة المصاحبة للمضغ. فقد وثّقت دراسات أجراها فاريلا وزملاؤه، وويلكنسون وزملاؤه، وهاسيغاوا وزملاؤه، ارتفاعًا في معدل ضربات القلب وضغط الدم أثناء المضغ، في حين رصدت دراسة أجراها سميث، زيادة متزامنة في مستويات هرمون الكورتيزول.
كما تناولت دراسات هاسيغاوا، وأونوزوكا، وسيساي، خلال أعوام متفرقة عن تأثير المضغ في تدفق الدم إلى الدماغ، وأشارت إلى زيادة التروية الدماغية أثناء المضغ، وهو ما قد يسهم في دعم الأداء المعرفي من خلال تعزيز إمداد الدماغ بالأكسجين والجلوكوز.
أما على مستوى النشاط العصبي، فقد أظهرت دراسات استخدمت تخطيط كهربائية الدماغ (EEG) والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، من بينها أبحاث هيرانو ومورينوشي وتاكادا ومياياموتو، مؤشرات على زيادة الاستثارة القشرية ونشاط المناطق الدماغية المرتبطة بالانتباه والوظائف التنفيذية أثناء المضغ، مما يدعم الفرضية القائلة بأن المضغ قد يعزز حالة اليقظة العصبية، وإن كانت الآليات الدقيقة لهذا التأثير لا تزال محل بحث.
هل نوع العلكة يُحدث فرقًا؟
تشير دراسة نُشرت للباحث عمر لطيوش وزملائه إلى أن نكهة العلكة قد تلعب دورًا إضافيًا؛ إذ قارنت الدراسة بين ثلاث مجموعات: الأولى مضغت علكة بنكهة النعناع، والثانية علكة خالية من النكهة، والثالثة لم تمضغ شيئًا، وبعد شهر من المتابعة، سجّلت مجموعة النعناع أعلى الدرجات بفارق دال إحصائيًا، تلتها مجموعة العلكة الخالية من النكهة التي تفوقت بدورها على المجموعة الضابطة. ويرجّح الباحثون أن رائحة النعناع ونكهته قد تضيفان تنبيهًا حسيًا إضافيًا يُكمّل الأثر الميكانيكي للمضغ نفسه.
تفصيل طريف.. أي جهة تمضغ بها؟
في دراسة أكثر تخصصًا نُشرت ضمن أبحاث علم الأعصاب، وجد باحثون أن التركيز الناتج عن المضغ قد يتفاوت حتى بحسب الجهة المستخدمة من الفم لدى بعض الأشخاص.
فالأشخاص الذين يعانون تفاوتًا طبيعيًا في نشاط عضلات المضغ بين الجهتين، وما يرافقه من تفاوت بسيط في حجم حدقتي العينين، وهو مؤشر على عدم توازن في الجهاز العصبي المسؤول عن اليقظة، أظهروا تحسنًا أكبر في الأداء الذهني عند المضغ من الجهة الأقل نشاطًا تحديدًا، وكأن المضغ من تلك الجهة “يعيد التوازن” لمنظومة اليقظة في الدماغ. وهي نتيجة تفتح بابًا لفهم أدق لتفاوت استجابة الأفراد للتقنية نفسها.
الأثر في بيئة العمل والدراسة
تمتد الفائدة المحتملة إلى ما هو أبعد من المختبر؛ إذ خلصت سلسلة دراسات “ضمت أربع تجارب مستقلة” إلى أن مضغ العلكة خلال يوم العمل ارتبط بإنتاجية أعلى وتراجع في المشكلات المعرفية المبلغ عنها ذاتيًا، إلى جانب ارتفاع طفيف في مستوى الكورتيزول الصباحي دون تأثير يذكر على معدل ضربات القلب.
ولاحظت إحدى تجارب السلسلة أن معدل قوة المضغ ووتيرته لم يغيرا المزاج بشكل كبير، لكنهما أثرا بشكل محدود في مستوى الانتباه، بل إن نتائج إحدى التجارب أظهرت تناقضًا طريفًا، إطالة طفيفة في زمن الاستجابة مقابل انخفاض في عدد الأخطاء مع استمرار مهمة اليقظة، ما يعكس تعقيد العلاقة بين المضغ والانتباه المستمر.
هل الأدلة قاطعة؟
تدعم غالبية الأدلة الحالية فكرة أن مضغ العلكة يمكن أن يمنح دفعة مؤقتة لليقظة والتركيز، خصوصًا في المهام الطويلة أو الرتيبة كالقيادة لمسافات طويلة أو المذاكرة لفترات ممتدة، لكن حجم الأثر يبقى متواضعًا ومتفاوتًا من دراسة لأخرى، ولا يُنظر إليه كبديل عن أساسيات التركيز الجيد كالنوم الكافي والراحة الذهنية المنتظمة.



