ألقى إمام الجماعة سماحة الشيخ حبيب الأحمد خطبة الجمعة في جامع الإمام الجواد (عليه السلام) بالمنيزلة يوم الجمعة 21 ربيع الأول 1448هـ تناول فيها سيرة الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) ودور مدرسته العلمية والفكرية في صناعة جيلٍ واعٍ حمل مشاعل العلم والهداية إلى الأجيال.
استهل سماحته الخطبة بالحمد والثناء لله تعالى الذي أكرم الإنسان بالعقل ورفع أهل العلم درجات وجعل في كل زمان منارات تهدي إلى الحق ثم بالصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين والسلام على الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) إمام العلم والبصيرة وصاحب المدرسة التي أضاءت العقول وربّت الرجال وصنعت الإنسان المؤمن الواعي.
ثم أوصى سماحته نفسه والمؤمنين بتقوى الله تعالى مؤكداً أن خير زادٍ ليوم المعاد هو لباس التقوى.
وأكد سماحته على مكانة العلم والعقل في بناء الإنسان مستحضراً سيرة الإمام الصادق (عليه السلام) بوصفه إماماً للعلم والبصيرة وصاحب مدرسة علمية وفكرية أسهمت في إضاءة العقول وتربية الرجال وصناعة الإنسان المؤمن الواعي.
وأوضح أن الإمام الصادق (عليه السلام) عاش في مرحلة كثرت فيها الأفكار والتيارات المنحرفة فواجهها بالعلم والبصيرة والحجة والحوار وفتح أبواب المعرفة في مجالات الفقه والحديث والعقيدة والأخلاق.
وأشار إلى أن عظمة المدرسة الصادقية لم تكن في كثرة ما قدمته من علوم فحسب وإنما في قدرتها على صناعة تلاميذ يحملون العلم والرسالة من بعده.
وبيّن سماحة الشيخ أن من أبرز وجوه عظمة المدرسة الصادقية أنها لم تخرّج تخصصاً واحداً بل صنعت نخبةً من العلماء الذين برعوا في علوم ومجالات متعددة وكانوا مشاعل هداية وعلم في زمانهم.
ومن أبرز تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام):
- هشام بن الحكم:برز في علم الكلام والعقائد والمناظرة.
- هشام بن سالم: برز في العقائد والكلام والمناظرة.
- مؤمن الطاق: برز في علم الكلام والمناظرة والإمامة.
- أبان بن تغلب: برز في الفقه والحديث والقراءة واللغة.
- زرارة بن أعين: برز في الفقه والحديث.
- محمد بن مسلم: برز في الفقه والحديث.
- بُريد بن معاوية العِجلي: برز في الفقه والحديث والعقيدة.
*أبو بصير ليث بن البختري المرادي:* برز في الحديث والفقه. - المفضل بن عمر الجعفي: برز في العقائد والتوحيد والمعارف.
- عبد الله بن أبي يعفور العبدي: برز في الحديث والفقه.
- صفوان بن مهران الجمّال الأسدي: برز في الحديث والفقه.
- يونس بن يعقوب البجلي الدهني: برز في الفقه والحديث والمناظرة.
وهكذا يتضح أن مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) لم تكن مدرسةً لتخصص واحد بل كانت مدرسةً جامعة للفقه والحديث والعقيدة وعلم الكلام والمناظرة والقراءة واللغة والمعارف وهذا من أبرز وجوه قوتها العلمية.
وأكد سماحته أن أعظم إنجاز للإنسان لا يقتصر على أن يكون عالماً بل أن يسهم في صناعة إنسانٍ آخر يحمل العلم والرسالة من بعده، فالنور ينتقل من الإمام إلى التلميذ ومن التلميذ إلى جيل ومن جيل إلى جيل، وهنا تكمن عظمة المدرسة الصادقية؛ فقد لم يكتفِ الإمام الصادق (عليه السلام) بتقديم العلم بل ربّى رجالاً قادرين على حمل هذا العلم ونقله والدفاع عنه ونشره.
وتطرق سماحته إلى واقع المجتمع المعاصر مبيناً أن تعدد الأفكار واختلاط الحق بالباطل لم يعد محصوراً في المجالس والكتب بل أصبح حاضراً عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي الأمر الذي يجعل الحاجة إلى المنهج الصادقي أكثر إلحاحاً.
وأشار إلى أهمية أن يتعلم الإنسان قبل أن يحكم وأن يعرف قبل أن يتبع وأن يفكر قبل أن يصدق وأن يسأل قبل أن ينشر وأن يتحاور بالحجة بدلاً من التعصب.
وأكد أن المشكلة في عصرنا ليست قلة المعلومات وإنما قلة البصيرة والقدرة على التمييز بين الحقيقة والشائعة والعلم والوهم والحجة والادعاء.
ودعا سماحته الآباء والمربين إلى تحويل البيت إلى بيئة للعلم والحوار من خلال الاستماع إلى أسئلة الأبناء ومناقشتها وتشجيعهم على القراءة والبحث وعدم السخرية من تساؤلاتهم الدينية والفكرية، وأكد أن صناعة الجيل الواعي تبدأ من البيت وأن الأب والأم قادران على غرس حب العلم والسؤال والبحث في نفوس أبنائهم.
وشدد سماحته على أهمية التثبت من الأخبار والروايات قبل نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعدم الاستعجال في نقل كل ما يصل إلى الإنسان.
كما دعا إلى الحفاظ على الأدب عند الاختلاف وعدم تحويل الاختلاف في الرأي إلى عداوة وخصومة مؤكداً أن الحوار بالحجة والأخلاق من أبرز معالم المنهج الصادقي.
وفي الجانب العملي أوضح سماحة الشيخ أن الانتساب إلى مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) لا يكون بالشعارات وحدها وإنما يتحول إلى سلوك يومي ومنهج حياة من خلال التعلم المستمر وتدبر القرآن وتعلم الأحكام والقراءة والبحث والعمل بما يتعلمه الإنسان.
فالعلم الذي لا يتحول إلى أخلاق وعمل يبقى معرفةً في الذهن أما العلم النافع فهو الذي يصنع إنساناً أفضل ومجتمعاً أفضل.
واختتم سماحته خطبته بالتأكيد على أن مسؤولية المجتمع اليوم هي صناعة جيل يحمل مشاعل النور.
فالأب مشعل نور في بيته والمعلم مشعل نور في مدرسته وطالب العلم مشعل نور بين أقرانه وكل مؤمن قادر على أن يكون مشعل نور؛ بكلمة صادقة أو علم نافع أو خلق حسن.
وأكد أن الوفاء للإمام الصادق (عليه السلام) لا يكون بمجرد الحديث عن مدرسته وإنما بأن يكون المؤمن امتداداً لهذه المدرسة: علماً وبصيرة وأخلاقاً وعملاً وحواراً بلا تعصب وتثبتاً قبل النشر وجيلاً يحمل النور إلى الجيل الذي بعده.
واختتم سماحته رسالته بعبارة جامعة للحاضرين:
«لا نسأل فقط: ماذا تعلمت؟ بل نسأل: من الذي سيتعلم مني؟»
فالسؤال الحقيقي ليس مقدار ما جمعناه من العلم وإنما مقدار ما استطعنا أن نتركه من نورٍ في حياة الآخرين.
وفي ختام الخطبة دعا سماحته الله تعالى بحفظ الوطن وإدامة نعمة الأمن والإيمان عليه وعلى أهله وعلى سائر بلاد المسلمين وأن يحفظ البلاد والعباد من كل سوء ومكروه.



