مقدمة: نورٌ يتجلّى وتوحيدٌ يتجذّر
ليس شهر رجب زمنًا يمرّ، بل حالٌ يُفتح، ولا هو مجرّد محطة في التقويم، بل ميدان اصطفاء تُدعى فيه الأرواح إلى الدخول في أفق القرب. وفي هذا الشهر، لا تُطلب كثرة الأعمال بقدر ما يُطلب صفاء التوجّه، ولا يُراد من الذكر حركة اللسان، بل انكشاف المعنى في القلب.
يتميّز شهر رجب بمكانة روحية خاصّة في الوجدان الإسلامي، إذ هو من الأشهر التي فُتحت فيها أبواب القرب، ودُعيت فيها القلوب إلى الإقبال على الله تعالى بصفاءٍ أعمق ووعيٍ أوضح. ومن أبرز الأعمال التي ورد الحثّ عليها في هذا الشهر المبارك الإكثار من قراءة سورة التوحيد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
ومن هنا كان الإكثار من سورة التوحيد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ليس تكرارًا لفظيًا، بل مكثًا في مقام الأحديّة.
التوحيد: من اللفظ إلى الشهود
روى السيّد ابن طاووس (رضوان الله عليه) في الإقبال فضائل عظيمة لقراءة سورة قل هو الله أحد في شهر رجب، بأعدادٍ متفاوتة: عشرة آلاف، أو ألف، أو مائة مرّة.
وهذه الأعداد ـ في الذوق العرفاني ـ ليست حدودًا حسابية، بل درجات حضور؛ فكلّ قراءة هي وقفة على باب، وكلّ تكرار هو طرقٌ أشدّ على حجاب النفس.
وكلّ ذلك بحسب طاقة المؤمن واستعداده، في إشارة واضحة إلى سعة الباب وعدم حصر الفضل بحدٍّ واحد.
فمن قرأ مائة، بدأ السير، ومن قرأ ألفًا، طال مقامه، ومن أكثر، ذاب في معنى الأحديّة.
وهذا يعكس رحمة التشريع التي تراعي تفاوت القلوب والهمم، وتفتح الطريق للجميع دون استثناء.
سورة قصيرة… ومقام عظيم:
سورة التوحيد ليست وصفًا لله، بل نفيٌ لما سواه؛ هي إعلان خلوّ الوجود من الاستقلال، وتجريد القلب من كلّ تعلّق، حتى لا يبقى في الداخل إلا هو.
سورة قل هو الله أحد ليست سورة قصيرة في ألفاظها فحسب، بل عميقة في معانيها؛ فهي تختصر التوحيد الخالص، وتنفي الشريك، وتؤسّس لعلاقة مباشرة بين العبد وربّه، بلا وسائط ولا تعقيد.
وتكرارها في شهر رجب ليس تكرار لفظٍ، بل ترسيخ معنى، حيث ينتقل التوحيد من الذهن إلى القلب، ومن المعرفة إلى الحالة.
وحين تتردّد هذه السورة في شهر رجب، فإنها تعمل عملها في الباطن؛ تضعف دعوى الأنا، وتفكّك أوهام الكثرة، وتعيد الروح إلى أصلها الواحد.
نورٌ يجذب لا يُدفع:
وفي الرواية:
«إنّ من قرأ قُل هو الله أحد مائة مرّة في يوم الجمعة من شهر رجب، كان له يوم القيامة نورٌ يجذبه إلى الجنّة»
والجذب هنا ليس مكافأة خارجية، بل انسجام وجودي؛
فالجنّة ليست مكانًا يُدخله الإنسان، بل حقيقة تميل إليها الروح إذا استقامت على التوحيد.
الرواية التي تحدّثت عن النور الذي يجذب صاحبه إلى الجنّة يوم القيامة تكشف عن العلاقة العميقة بين التوحيد والنور؛ فكلّما صفا التوحيد في القلب، ازداد النور في المصير، لأن الجنّة ليست مكانًا فحسب، بل انجذابٌ إلى الله.
ومن هنا كان النور المذكور في الرواية جذبًا لا دفعًا، لأن التوحيد الحقيقي يجعل الروح تميل بطبعها إلى دار القرب.
ذلك النور ليس حادثًا يوم القيامة، بل هو نورٌ تَكَوَّن هنا، في القلب، ثم ظهر هناك، في المصير.
الجمعة والرجب: اكتمال الدائرة
اجتماع يوم الجمعة ـ يوم الجمع والوصال ـ مع شهر رجب ـ شهر التهيئة والتجريد ـ يجعل قراءة التوحيد وقفةً على عتبة الفيض، حيث يتهيّأ القلب للانتقال من الذكر إلى الذوق، ومن المعرفة إلى الشهود.
اجتماع قداسة الزمان (رجب)، مع شرف اليوم (الجمعة)، ومع جوهر العقيدة (التوحيد)، يجعل العمل مضاعف الأثر، ويحوّل القراءة إلى موقف روحي جامع تتجلّى فيه البركة بأوسع صورها.
التكرار ليس كثرة… بل تخلية:
في العرفان، التكرار لا يُقصد لذاته، بل لِما يُزيله؛ يُكرَّر الذكر لا ليُضاف معنى، بل ليُمحى ما ليس معنى.
فكلّ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» هي نفيٌ جديد لغيره، وتجريدٌ أعمق للقلب، حتى إذا تمّ التوحيد، سكت اللسان وتكلّم الوجود.
خاتمة عرفانية:
إن الإكثار من قراءة قل هو الله أحد في شهر رجب ليس عملًا تعبديًا بسيطًا، بل برنامج توحيدي متكامل، يعيد ترتيب العلاقة مع الله، ويهيّئ القلب لاستقبال المواسم القادمة من شعبان ورمضان بنقاءٍ أعمق.
من جعل سورة التوحيد وِرده في شهر رجب، لم يكن يقرأ سورة، بل كان يدخل مقامًا.
ومن أكثر منها، لم يكثر عملًا، بل خفّف حمل الكثرة عن قلبه.
فهنيئًا لمن جعل رجب شهر الأحديّة، ولسانه شاهدًا، وقلبه موطنًا للنور. وطوبى لمن جعل لسانه عامرًا بالتوحيد، وقلبه حاضرًا مع المعنى، وسلوكه شاهدًا على الأثر.



