يعد جبران خليل جبران (1883 – 1931م) من كبار الأدباء اللبنانيين والعرب، وقد نشرت عنه مجلة العرفان في عددها الصادر في شباط سنة 1931م، قوله عن الأمام علي عليه السلام:
«في عقيدتي أنّ ابنَ أبي طالب أوّلُ عربيٍّ لازمَ الروحَ الكلّية، وجاورها وسامرها. وهو أوّلُ عربيٍّ تناولت شفتاه صدى أغانيها، فردّدها على مسامع قومٍ لم يسمعوا مثلها من ذي قبل، فتاهوا بين مناهج بلاغته وظلمات ماضيهم؛ فمن أُعجب بها كان إعجابه موصولًا بالفطرة، ومن خاصمه كان من أبناء الجاهلية.
"مات عليّ بن أبي طالب شهيدَ عظمته، مات والصلاة بين شفتيه، ومات وفي قلبه الشوق إلى ربّه. ولم يعرف العرب حقيقة مقامه ومقداره، حتى قام من جيرانهم الفرس أناسٌ أدركوا الفارق بين الجواهر والحصى.
مات قبل أن يبلغ العالم رسالته كاملةً وافية، غير أنّي أتمثّله مبتسمًا قبل أن يغمض عينيه عن هذه الأرض. مات شأنَ جميع الأنبياء الباصرين، الذين يأتون إلى بلدٍ ليس ببلدهم، وإلى قومٍ ليسوا قومهم، في زمنٍ ليس زمنهم؛ ولكن لربّك شأنٌ في ذلك، وهو أعلم».
لا يمكن قراءة شهادة جبران خليل جبران في حقّ الإمام علي بن أبي طالب - عليه السلام- بوصفها نصًّا أدبيًّا عاطفيًّا أو انطباعًا وجدانيًّا عابرًا، بل هي — في عمقها — موقفٌ فلسفيّ كامل من سؤال الحقيقة حين تتجسّد في إنسان، ومن الزمن حين يعجز عن استيعاب من يتقدّمه. جبران هنا لا يكتب عن عليّ بوصفه شخصية تاريخية، بل بوصفه ظاهرة وجودية.
يضعنا نصّ جبران خليل جبران عن الإمام عليّ أمام شهادةٍ فكرية لا تصدر عن مؤرّخٍ تقليدي ولا عن متكلّمٍ مذهبي، بل عن أديبٍ وفيلسوفٍ حدسيّ رأى في عليّ ظاهرةً كونية تتجاوز الانتماءات الضيّقة. إنّها شهادة تُقرأ بوصفها تأمّلًا في العلاقة بين الفرادة الوجودية والزمن، وبين الحقيقة والوعي الجمعي، وبين الإنسان الكامل ومجتمعٍ لم يكن مهيّأً لاستقباله.
ستتناول في هذه القراءة تحليلَ عددٍ من عباراته، باعتبارها محاورَ دلاليّةً رئيسة تُشكّل البنية المفهوميّة لهذه الشهادة في حقّ الإمام عليّ عليه السلام.
1) «الروح الكلّية»: عليّ بوصفه وعيًا كونيًا
مصطلح «الروح الكلّية» الذي يستحضره جبران لا ينتمي إلى البلاغة الأدبية وحدها، بل يستدعي أفقًا فلسفيًا عميقًا تشكّل عبر تاريخ طويل من التفكير في الحقيقة الجامعة التي تسبق التعيّنات، وتعلو على الانقسامات. في الفلسفات الإشراقية والعرفانية، تُفهم الروح الكلّية بوصفها مبدأ المعنى، أو العقل الشامل، أو الحقيقة التي تحتوي الكثرة دون أن تنحلّ فيها، والتي تمنح الجزئيات دلالتها من غير أن تُختزل إليها.
حين يقول جبران إنّ عليًّا «لازم الروح الكلّية وجاورها وسامرها»، فهو لا يصف حالة تدين تقليدية، ولا يكرّس مقامًا شعائريًا، بل يشير إلى نمط وعي بلغ مستوى المجاورة للمعنى ذاته. المجاورة هنا ليست مكانية ولا تخييلية، بل معرفية ووجودية: أي أنّ عليًّا لم يكن متلقّيًا سلبيًا للمعنى، بل فاعلًا في أفقه، يعيش في حضرته، ويتحرّك من داخله.
في هذا الأفق، لا يكون عليّ مجرّد حامل لشريعة أو ناقل لأحكام، بل شاهدًا على جوهرها. فالشريعة، في مستواها الأعلى، ليست مجموعة أوامر ونواهٍ، بل تجلّيًا لنظام المعنى في الوجود. ومن يُجاور الروح الكلّية لا يتعامل مع الأحكام بوصفها نصوصًا جامدة، بل بوصفها تعبيرات عن حكمة شاملة، تُقرأ في سياق الإنسان والعدل والغاية.
فلسفيًا، هذا توصيف للإنسان الذي يعيش في مستوى الكلّي لا الجزئي؛ أي الذي لا تحكم رؤيته الوقائع المنفصلة ولا المصالح الآنية، بل تنتظم نظرته وفق صورة شاملة للوجود. يرى الأشياء من علٍ لا بمعنى التعالي المتكبّر، بل بمعنى الإحاطة؛ فيضع الجزئي في سياقه، والحدث في مساره، والإنسان في كرامته الكلّية.
ولهذا يخاطب عليّ الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو قبيلة أو جماعة أو مرحلة تاريخية. خطابه يتجاوز الأطر الضيّقة لأنّه صادر عن وعيٍ لا يتشكّل من الداخل الاجتماعي وحده، بل من اتصالٍ بمعنى أوسع من المجتمع نفسه. ومن هنا كانت كلماته — كما يلمح جبران — صادمة لعصرها، لأنّها لم تُصَغ على مقاس الوعي السائد، بل على مقاس الحقيقة كما هي.
بهذا المعنى، يصبح توصيف جبران لعليّ بأنّه «لازم الروح الكلّية» توصيفًا أنطولوجيًا لا إنشائيًا: عليّ ليس مجرّد شخصية تاريخية عظيمة، بل مثال للإنسان الذي استطاع أن يجعل وعيه مرآةً للمعنى الكوني، وأن يعيش في تماسّ دائم مع الحقيقة، لا بوصفها فكرة يُجادَل عنها، بل حضورًا يُحيا في الفكر والفعل معًا.
2) البلاغة كصدى للحقيقة لا كصناعة لفظ:
يشير جبران إلى أنّ شفتَي عليّ «ردّدتا صدى أغاني الروح الكليّة»، لا أنّه اخترع لغة جديدة، بل لأنّه نقل ما لا يُحتمل نقله. وهنا تكمن المأساة الفلسفية: الحقيقة حين تُقال بلغة البشر، تبدو غريبة على آذان لم تُهذَّب بعد.
بلاغة عليّ — في هذا السياق — ليست بلاغة أسلوب، بل بلاغة مقام. ومن هنا تفرّق الناس حوله: فريق سمع الحقيقة فاهتزّت فطرته، وفريق سمعها فشعر بالتهديد؛لأنّها كشفت هشاشة ماضيه.
يُلفت جبران إلى أنّ شفتَي عليّ «تناولتا صدى أغانيها»، أي أنّ بلاغته لم تكن صنعة لغوية، بل ارتدادًا للصوت الكوني في لغة البشر. هنا تصبح البلاغة أثرًا للصدق الوجودي، لا مهارةً خطابية.
من هذا المنظور، انقسام الناس حول عليّ مفهومٌ فلسفيًّا: من أعجب به «فطريًّا» أدرك الصدق قبل البرهان، ومن خاصمه كان أسير أنماطٍ ذهنية قديمة لا تحتمل الجديد؛ إنّه الصراع الأزلي بين العقل المتقدّم والوعي المتأخّر.
3) الجاهلية بوصفها حالة عقلية لا زمنًا تاريخيًّا
لا تُفهم عبارة جبران: «ومن خاصمه كان من أبناء الجاهلية» على أنّها توصيف تاريخيّ يعود إلى مرحلة ما قبل الإسلام، ولا على أنّها حكمٌ أخلاقي موجَّه إلى جماعة بعينها، بل بوصفها تشخيصًا معرفيًّا لحالة ذهنية متكرّرة في كلّ زمان. فالجاهلية، في هذا الأفق، ليست زمنًا انقضى، بل نمطًا من الوعي قد يستمرّ ويتجدّد، مهما تغيّرت الأسماء والحقب.
فلسفيًّا، الجاهلية هي حالة مقاومة للمعنى حين يتجاوز المألوف؛ هي خوفٌ من التحوّل، وتشبّث بما اعتاده الذهن ولو كان قاصرًا، وانحيازٌ إلى السائد لا لأنّه حقّ، بل لأنّه مريح. إنّها حالة ذهنية تفضّل الاستقرار المعرفي على الحقيقة، وتختار الألفة على الصدق، وتستبدل البحث عن المعنى بحراسة العادة.
ومن هذا المنظور، لا يكون الصراع مع عليّ صراعًا سياسيًا فحسب، ولا نزاعًا على سلطة أو موقع، بل صراعًا بين مستويين من الوعي: وعيٍ يريد أن يعيد تعريف العدل، والسلطة، والإنسان على أسس أخلاقية كونية، ووعيٍ آخر يخشى هذا التعريف لأنّه يهدّد بنيته الذهنية والاجتماعية القائمة. فالرفض هنا ليس اعتراضًا عقلانيًا مكتملًا، بل ردّة فعل دفاعية أمام معنى أعلى من القدرة على استيعابه.
بهذا المعنى، يصبح عليّ شهيدًا للوعي قبل أن يكون شهيدًا للسيف. فالسيف لم يكن إلا الأداة الأخيرة في مواجهة رؤية أحدثت صدمة معرفية عميقة: رؤية لا تفصل بين الأخلاق والسياسة، ولا بين الروح والعدالة، ولا بين الإيمان وكرامة الإنسان. وحين يعجز المجتمع عن هضم هذا العمق، يتحوّل المعنى إلى عبء، ويُستبدل الحوار بالإقصاء، والرؤية بالعداء.
ومن هنا، تغدو الجاهلية — في قراءة جبران — حالة تتكرّر كلّما وُوجهت الحقيقة بوعيٍ لم يكتمل نضجه بعد. فهي ليست نقيض الإسلام زمنيًا، بل نقيض الوعي المتقدّم معرفيًا. وكلّ عصر، مهما ادّعى الحداثة، يظلّ معرّضًا لأن ينتج جاهليته الخاصة، كلّما اختار الراحة الفكرية على مشقّة التحوّل، والمألوف على الحقيقة.
4) الفرادة الوجودية والزمن: مأساة السبق
تكثّف عبارة جبران: «مات قبل أن يبلغ العالم رسالته كاملة» رؤيةً فلسفية عميقة لمسألة الفرادة الوجودية



