من الأدعية التي وردت في شهر رجب ما ذكره الشيخ الطوسي في (مصباح المتهجد): روى المعلّى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «قل في رجب:
" اللهُمَّ إنّي أسألُكَ صَبرَ الشَّاكِرينَ لَكَ وَعَمَلَ الخائِفينَ مِنكَ وَيَقينَ العابِدينَ لَكَ، اللهُمَّ أنتَ العَليُّ العَظيمُ وَأنا عَبدُكَ البائِسُ الفَقيرُ أنتَ الغَنيُّ الحَميدُ وَأنا العَبدُ الذَّليلُ، اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَامنُن بِغِناكَ عَلى فَقري وَبِحِلمِكَ عَلى جَهلي وَبِقوَّتِكَ عَلى ضَعفي يا قَويُّ يا عَزيزُ، اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأوصياء المَرضيّينَ وَاكفِني ما أهَمَّني مِن أمرِ الدُّنيا وَالآخرةِ يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ ». (١)
وقد علق العلامة القمي في مفاتيح الجنان على هذا الدعاء بقوله : هذا دعاء رواه السيد أيضاً في (الاقبال)، ويظهر من تلك الرواية أنّ هذا الدعاء هو أجمع الدعوات ويصلح لأن يُدعى به في كلّ الأوقات. " (٢)
هذا الدعاء الشريف، المرويّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) في كتاب المصباح، والمنقول كذلك في الإقبال، يكشف عن نموذجٍ رفيع من الأدعية الجامعة التي تختصر مسار العبودية كلّه في كلمات قليلة، وتؤسّس لعلاقة متكاملة بين العبد وربّه، قائمة على المعرفة، والخضوع، والرجاء.
أوّلًا: جامعٌ لمقامات السلوك
يفتتح الدعاء مساره بطلب ثلاثة مقامات روحية كبرى لا تأتي اعتباطًا، بل تشكّل البنية العميقة لكل سلوكٍ إلى الله. فهي ليست عرضًا لأخلاق متفرّقة، بل نسقٌ متكامل يبدأ من الداخل، ويظهر في الفعل، ويستقرّ في الوعي.
1. صبر الشاكرين:
ليس الصبر هنا مجرّد احتمال للألم أو تحمّل للشدّة، بل هو صبرٌ مشبع بالمعنى؛ صبر يرى يد الله في الأحداث، فيحوّل البلاء من عبءٍ ثقيل إلى رسالةٍ مفهومة. إنّه صبرٌ لا ينفصل عن الشكر، لأنّ الشاكر لا يقف عند ظاهر الألم، بل ينفذ إلى باطن الحكمة. ومن هنا يكون صبر الشاكرين صبرًا ناضجًا، لا يختزن التذمّر، ولا يُراكم السخط الصامت، بل يُنتج سكينةً داخلية تُبقي القلب حيًّا حتى في أقسى الظروف.
2. عمل الخائفين:
ثم ينتقل الدعاء من الشعور إلى السلوك، فيطلب عملًا صادرًا عن الخشية لا عن العادة. فالعمل قد يكون كثيرًا، لكنّه فارغ من الوعي، وقد يكون قليلًا، لكنّه مشبع بالمراقبة. عمل الخائفين هو العمل الذي يستحضر الوقوف بين يدي الله، فيُصفّي النيّة، ويهذّب الدافع، ويمنع التهاون. إنّه عمل لا تحرّكه الغفلة، ولا تسيره التقاليد، بل يحكمه شعور دائم بالمسؤولية الأخلاقية والروحية.
3. يقين العابدين:
ويُختَم هذا الثالوث بطلب اليقين، لأنّ الصبر والعمل لا يستقيمان طويلًا بلا أساس معرفي راسخ. اليقين هنا ليس معلومة ذهنية، ولا قناعة نظرية، بل حالة حضور؛ حضور يجعل العبادة شهودًا لا أداءً، واتصالًا لا تكرارًا. يقين العابدين هو الذي يحرّر العبادة من الاضطراب، ويجعلها ثابتة أمام تقلّبات الواقع، لأنّها متجذّرة في رؤية واضحة لله وللحياة.
وهكذا تتكامل هذه الثلاثية في بناء الإنسان السالك: الصبر يضبط المشاعر، و العمل ينظّم السلوك،و اليقين يؤسّس الوعي.
وبهذا يرسم الدعاء خارطة طريق روحية متكاملة لا تبدأ من الخارج، ولا تقف عند السلوك الظاهر، بل تنطلق من الداخل، وتعبر الفعل، وتستقرّ في المعرفة، لتصنع إنسانًا متوازنًا في سيره إلى الله، ثابتًا في تقلبات الطريق، واعيًا بحقيقة ما يطلب ولماذا يطلبه
ثانيًا: بناء الوعي بالعبودية
ينتقل الدعاء في هذا المقطع من مقام الطلب إلى مقام التعريف الوجودي، فيثبّت هوية الإنسان قبل أن يواصل مسار الدعاء: «أنتَ العَليُّ العَظيمُ، وأنا عبدُكَ البائسُ الفقير».
وهذه الجملة ليست توصيفًا عابرًا، بل إعادة صياغة لوعي الإنسان بذاته وبربّه.
فالعبودية هنا لا تُطرح بوصفها انتقاصًا من الكرامة الإنسانية، ولا كإلغاء للذات، بل بوصفها التحرير الحقيقي من وهم الاستقلال. إذ إنّ أخطر ما يقيّد الإنسان ليس الفقر ولا الضعف، بل اعتقاده الخفيّ بأنّه قائم بذاته، مكتفٍ بعقله أو قوّته أو أسبابه. وهذا الوهم هو أصل القلق، وأساس الاضطراب الوجودي.
حين يقول الداعي: أنا عبدك، فهو لا يذوب ولا يتلاشى، بل يعود إلى موقعه الصحيح في سلّم الوجود. وحين يضيف: البائس الفقير، فإنّه لا يمارس جلد الذات، بل يفكّك أوهام الكفاية الذاتية، ليجعل القلب قابلًا للفيض الإلهي. فالفقر المعترف به هو بداية الغنى، أمّا الفقر المنكور فهو باب الحرمان.
وفي المقابل، يأتي توصيف الله بـ «العليّ العظيم» قبل توصيف العبد، ليؤكّد أن العلاقة ليست علاقة نقصٍ مع نقص، بل نقصٌ موصول بكمال. فالله علوّه ذاتي، وعظمته مطلقة، لا تستمدّ من مقارنة ولا من اعتراف، بينما فقر العبد ليس حالة طارئة، بل حقيقة بنيوية في وجوده.
ومن هنا نفهم أن الدعاء لا يربّي الإنسان على الانكسار السلبي، بل على الافتقار الواعي؛ افتقار لا يولّد اليأس، بل يولّد الطمأنينة، لأنّ العبد حين يعرف أنّه فقير على الدوام، يعرف في الوقت نفسه أنّ باب الغنى مفتوح على الدوام.
وهكذا تتحوّل العبودية من مفهوم يُساء فهمه إلى مقام أمان؛ أمانٍ من الغرور، وأمانٍ من التعلّق بالأسباب، وأمانٍ من الانهيار عند الفقد.
فالعبد الذي يقف بهذه المعرفة لا يقف مهزومًا، بل يقف مستعدًا للتلقّي، عالمًا أنّ الاعتراف بالفقر ليس نهاية الطريق، بل هو أوّل خطوة في مسار الغنى بالله
ثالثًا: منطق التعويض الإلهي
في قوله: «امنُن بغناكَ على فقري، وبحِلمِكَ على جهلي، وبقوّتِكَ على ضعفي»
يتجلّى منطق إلهي بالغ العمق، يمكن تسميته بـ قانون التعويض الوجودي؛ وهو قانون لا يقوم على سدّ النقص بنقصٍ مثله، ولا على ترميم الضعف بأدوات بشرية محدودة، بل على ربط النقص الإنساني بمصدر الكمال المطلق.
فالإنسان، في الرؤية التوحيدية، كائن ناقص بالذات، لا لأنّه مذموم، بل لأنّ نقصه هو عين قابليته للكمال. ومن هنا، لا يكون الفقر عيبًا، ولا الجهل فضيحة، ولا الضعف سقوطًا، ما دام العبد واعيًا بمصدر الغنى، والعلم، والقوة.
الفقر في هذا السياق ليس فقر المال فقط، بل فقر الوجود كله؛ فقر المعنى، وفقر السكينة، وفقر الطمأنينة. ولذلك لا يُعالج بالامتلاك ولا بالتكديس، لأنّ الامتلاك يزيد التعلّق ولا يرفع الحاجة. إنّما يُعالج بالاتصال بـ الغني الحميد، حيث يتحوّل الفقر من شعور بالعجز إلى باب للفيض.
أمّا الجهل، فلا يُجبر بالادّعاء ولا بكثرة الكلام، بل يُحتوى بـ الحِلم الإلهي؛ لأنّ أكثر مظاهر الجهل خطرًا هو العجلة، والاندفاع، وسوء التقدير. وحِلم الله لا يعني تأجيل العقوبة فحسب، بل يعني منح الإنسان فسحة للتعلّم، والتدرّج، والتصحيح دون انكسار.
وأمّا الضعف، فهو الحقيقة الأكثر التصاقًا بالإنسان، جسديًا ونفسيًا وروحيًا. والدعاء لا يطلب زوال الضعف، بل يطلب أن يُغمر الضعف بـ قوة الله، فيتحوّل من سبب للانهيار إلى سبب للاعتماد، ومن باعث على الخوف إلى دافع للتوكّل.



