التلميذ:
يا معلمي، أسمعك كثيراً ما تلهج بالمناجاة الشعبانية، فما الذي يجعل هذه الكلمات تحديداً بمثابة "هندسة" للذات؟
الجواب بسمه تعالى :
يا بني، الهندسة هي قانون وضعي يهدف إلى وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة.
والمناجاة الشعبانية هي قانون إلهي تفعل ذلك بالضبط؛ فهي تعيد ترتيب أولوياتك، وتضع قلبك وروحك في مركزه الصحيح تجاه علاقته بالخالق. إنها ليست مجرد ممارسة عبادية، بل هي عملية "إعادة ضبط" للكيان الإنساني وبلغة اليوم هي إعادة ضبط للمصنع الإنساني.
التلميذ:
وكيف تبدأ هذه العملية في "العقل"؟ نحن نعلم أن المناجاة عاطفية، فما دخل العقل فيها؟
الجواب:
سؤال ذكي! العقل في المناجاة يتحرر من "وهم الأسباب". حين تقرأ: «وَبِيَدِك لا بِيَدِ غَيرِك زِيادَتِي وَنَقصِي وَنَفعِي وَضَرِّي»، هنا العقل يتلقى صفعة توقظه من ركونه للبشر أو الخوف من الظروف. المناجاة تعلم عقلك "التوحيد الأفعالي"؛ أي أن تدرك بعمق أن المحرك الحقيقي لهذا الكون كله هو الحق سبحانه، وهذا يمنحك ثباتاً ذهنياً واستقرار روحي ويقين صافي بقدرة الخالق لا يهتز أمام العواصف.
التلميذ:
وماذا عن الروح؟ الروح تبدو لي غارقة في الغفلة، فكيف توقظها هذه الكلمات؟
الجواب:
الروح في المناجاة تخوض رحلة "التنقية الخاصة". هل لاحظت قوله: «حَتَّى تَخرِقَ أَبصَارُ القُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ»؟ الروح هنا لا تطلب الهروب من الذنوب فحسب، بل تطلب التحرر حتى من التعلق بالثواب والكرامات (حجب النور) لتصل إلى "معدن العظمة". المناجاة تهندس روحك لتكون "معلقة بعز قدس الله عز وجل"، فلا تستقر ولا تسكن إلا بلقائه بلذيذ مناجاته وجميل الخلوة به سبحانه.
التلميذ:
لكن يا معلمي، أنا أذنبت كثيراً، والذنوب تشعرني بالثقل واليأس. هل في هذه الهندسة مكان للمذنبين؟
الجواب:
بل هي للمذنبين أولاً! انظر إلى الدقة العميقة في هذه العبارة: «إِن كانَ قَد دَنَا أَجَلِي وَلَم يُدنِنِي مِنك عَمَلِي فَقَد جَعَلتُ الإِقرَارَ بِالذَّنبِ إِلَيك وَسِيلَتِي». المناجاة تحول "الاعتراف بالضعف" إلى "قوة للوصول". هي تعلمك ألا تجعل ذنبك سداً وحاجب، بل تجعله سبباً للانكسار والذل والمسكنة بين يدي الحق سبحانه. الذي هو مفتاح باب الرحمة الذي يدخل الإنسان من خلاله لساحة القدس الإلهي.
التلميذ:
إذن المناجاة ليست مجرد كلام يُقرأ ، بل هي "عمل حقيقي يحرك كل وجود الإنسان"؟
المعلم:
بالتأكيد! وهذا هو المستوى الثالث منها في عمق المعرفة الخاصة بالله سبحانه. فالمناجاة تطلب منك أن تُترجم هذا الحب إلى مراقبة سلوكية: «وَاجعَلنِي مِمَّن نَادَيتَهُ فَأَجَابَك.. وَعَمِلَ لَك جَهراً». هي تزرع فيك دافع الإتقان في العمل؛ لأنك تشعر أن عين الله سبحانه ترعاك، ليس كرقيب مخيف، بل كمحب جليل رؤف رحيم بعبده .
التلميذ:
الآن فهمت.. المناجاة في جوهرها تهدم أصنام الأنا في داخلي لتبني مكاناً يسعُ عظمة الله سبحانه .
الجواب:
أحسنت يا بني. إنها رحلة تبدأ من «هَرَبْتُ إِلَيْكَ» وتنتهي بـ «فَأَكُونَ لَكَ عَارِفاً». فهل أنت مستعد لتبدأ رحلة الهروب الجميل؟
فتصل لحب الحق سبحانه إلى درجة لو قذفت في النار اخبرت أهلها انك تحبه سبحانه وتعالى
ولذا نحتاج في خاتمتها شكر المنعم بما وهب وأعطى وانعم ممن لا يحصى ذكره تجده متمثل في المناجاة ب
« إِلَهِي فَلَك أَسأَلُ وَإِلَيك أَبتَهِلُ وَأَرغَبُ وَأَسأَلُك أَن تُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَن تَجعَلَنِي مِمَّن يدِيمُ ذِكرَك وَلا ينقُضُ عَهدَك وَلا يغفُلُ عَن شُكرِك وَلا يستَخِفُّ بِأَمرِك، إِلَهِي وَأَلحِقنِي بِنُورِ عِزِّك الأَبهَجِ فَأَكونَ لَك عَارِفاً وَعَن سِوَاك مُنحَرِفاً وَمِنك خَائِفاً مُرَاقِباً، يا ذَا الجَلالِ وَالإِكرَامِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمَ تَسلِيما كثِيرا.»
التلميذ:
شكر الله معلمي ونسأل من الله أن نقوم بحقها تجاه ربنا بحق محمد وآل محمد
المدونة
https://zaher000.blogspot.com/2026/02/blog-post_4.html
التلقرام في التعليقات
https://t.me/zaher000



