أعتقد يقينا بل أجزم حقيقة أنه من غير المناسب أن نقول في حق ذلك الشهر الجليل ونقصد هنا شهر رمضان المبارك أنه يُعد أفضل الشهور فقط ولكن في حقيقة الأمر وبالعودة للنصوص القرآنية واستنادا للأحاديث النبوية الشريفة يتضح جليا أن هذا الشهر الكريم هو أعظم مما ندرك ونتصور، وأنّ تلك الأيام والليالي هي الأجل شأنا والأكثر قداسة وأنفة وعلوا لما تتمتع به من خصائص جمة ومنزلة شامخة وجليلة عند الله - جل جلاله - باعتباره الشهر المختار من لدنه -تبارك في علاه- لنزول القرآن الكريم فيه وهو كلام الله المطهر كما اختار البارئ - سبحانه - ليلة القدر العظيمة من بين لياليه والتي تساوي من الجزاء الحسن والأجر المضاعف والثواب الرفيع مايزيد عن ألف شهر من القيام والعبادة مصداقا لقوله تعالى:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (سورة القدر الآية 3).
ثلاثون ليلة من كل عام تأتي لنا محملة بوافر النعم و الخيرات وفيها أحسن المزايا الربانية من الهدايا والعطاءات.
ثلاثون يوما هي حقا أنفع وأصفى وأجود الأيام، نعم يالها من أوقات وفترات وساعات معدودات تفتح فيها أبواب الجنان وتغلق مداخل غضب الله والنيران - أجارنا الله وإياكم - نعم هو ضيفٌ يذهب ثم يعود مجددا جالبا معه بشائر الرحمة والعفو والغفران والتجاوز عن الهفوات والأهواء وكذلك الخطايا والزلات ، وهو لاشك زائر مرغوب وودود مُرحَبٌ فيه كما أنه معشوق ومحبوب يقبل علينا وفي طياته رأفة و رفق وإنعام ؛ لهذا أصبح هذا الشهر المعظم والمبجل شهر الله المنتقى شهر الله الأسمى شهر الله الأشرف و شهر الله المختار.
أعزائي القراء إنّ شهر رمضان المبارك لا يقتصر حقيقة على امتناع الأمة الإسلامية عن المأكل والمشرب فحسب بل هو فرصة عملية ليس لها نظير على الإطلاق باعتبارها هدية لايمكن تعويضها منحت من الخالق - عز وجل - لبني البشر لإعادة ترتيب ذواتهم وأولوياتهم ومراجعة النفس والضمير على جميع الأصعدة والمستويات كالفكر والروح والجسد ناهيك عن كل ما يتعلق بالتفاصيل الدقيقة تجاه سلوكنا وتصرفاتنا وأخلاقنا وطرق تعاملاتنا وردود أفعالنا مع أنفسنا وذوينا أولا وبمن حولنا من المنظومة المجتمعية ثانيا ، ويجب العلم أنّ هذا الشهر الكريم وبما يحويه من مناقب سخية وفوائد مستفيضة وفضائل عدة ليس لها حدٌّ محدود ولا وصف موصوف فهو موسم لعبادة الله وتقواه موسم للابتعاد عن المعاصي وهواجس الشيطان ، موسم للاقلاع عن اللامعقول من الرغبات و مطامع الشهوات ، موسم للبر والورع والطاعات ، موسم يحتاج فيه المرء للتأمل والبصيرة في قدرته تبارك في علاه.
إنّ الباحث عمّا هو أفضل من تقديم الأعمال وأنجعها وكذلك من يريد الاستثمار الحقيقي والأجود وبرأس مال ليس كالمتعارف عليه أو كما تجري العادة من دفع أموال واختيار مناقصات أو الدخول والمساهمة في مؤسسات وشركات وما شابه ذلك من تجارة وبيع وشراء لايحركها إلا لغة الأموال والأرباح من هنا نستطيع أن نؤكد أن أقصر الطرق وأسهلها بل و أكثرها فوزا وكسبا و ضمانا هي الصفقات التي تعقد بين العبد وخالقه سبحانه وبالأخص في ذلك الموسم الذي تم تعيينه وتحديده من قبل العلي القدير الكافل والمدبر الأول والأخير والمانح للمعاش والأرزاق على هذه المعمورة ولكل من يعيش عليها من الأحياء أناس وشجر ودواب.
وفي حقيقة الآمر وإذا ما أردنا الاتجاه نحو الأثوب وكذلك ماهو أصلح والذي من خلاله نستطيع أن نزيد و نثقل به ميزان الفضائل و الحسنات علينا الهرولة والإسراع إزاء ما ننشده من التكامل العاطفي ونضج الإدراك وارتقاء الوعي والشعور الوجداني بمن هم بحاجة للدعم والعون من ذوي القربى وأبناء مجتمعنا المتعففين وتلمس حاجاياتهم حتى تربو وتنمو وتزدهر كل المعاني والقيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية ، وبعدها يصل بصاحبه لمكانة ومرتبة يُغبَط عليها تكون مليئة بالرفعة والعزة والكرامة من قبل العلي القدير ولتحقيق ذلك الأمر لابد لنا أن نعرف ونكتشف المعابر والطرق التي من خلالها نبلغ الأماني ونصل المراد.
ختاما نقول وأبدأ بنفسي ولكل مستطيع من الإخوة والأخوات من أبناء هذا المجتمع المحب والمتفاني لفعل الخير و العطاء فنحن أحبتي على أعتاب شهر الله وهناك من ينتظر أحاسيسكم الأبوية و نظراتكم الحانية و أيديكم الكريمة وجودكم السخي نعم يجب أن نكون داعمين لكل المؤسسات الخيرية التي لا تألو جهدًا في سبيل جبر الخواطر و تأمين ما يمكن تأمينه لأصحاب الحاجة من ضعفاء الحال وغير المتمكنين ، فليس من الخُلق الرفيع والتربية الصالحة أن نتلذذ بما لذ وطاب من مأكل ومشرب ومستلزمات وضروريات وكسوة عيد وهناك من الأحبة و الخلان والمعارف والجيران من هم في أمَسّ الحاجة للمساعدة وأن نضع الشفقة والرحمة نصب أعيننا لنغدو معا في تفريج هم وكرب.
ومع نهاية هذه الأسطر والكلمات المتواضعة والخجولة لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر والعرفان والمحبة والوفاء لجمعياتنا الخيرية كافة وعلى رأسها جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية ، هذه الجمعية الرائدة على مستوى مملكتنا الغالية والتي يشار لها بالبنان لما حققته من خدمات جليلة وإنجازات وصيت وصل بتلك الإبداعات عنان السماء حتى بات هذا الصرح الشامخ مقصدا لأرباب الأمانة والإخلاص والمتطلعين لما هو أفضل للمجتمع بشكل عام ، ولايفوتنا كذلك أن نبعث بتحية إجلال واكبار لجميع القطاعات الخيرية في قطيفنا المعطاء، ونسأل الله- جل في علاه - أن يوفق تلك الجهود وأن يجزيهم عن البلاد والعباد الخير والنماء، وأن يتقبلَ منهم ومن الجميع الصيام والقيام وصالح الطاعات إنه سميع مجيب الدعاء ، وكل عام وقيادتنا بصحة وعافية، وكل عام وبلادنا مزدهرة ، وكل عام وشعبنا السعودي في عز ورخاء .



