المشورة في أصلها اللغوي استخراج لأفضل الآراء:
من اللطائف اللغوية أنَّ لفظ «الشُّور» في أصل اللغة يُطلق على استخراج العسل من موضعه، وَقِيلَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: شُرْتُ الدَّابَّةَ شَوْرًا إِذَا عَرَضْتَهَا، وَالْمَكَانُ الَّذِي يُعْرَضُ فِيهِ الدَّوَابُّ يُسَمَّى مِشْوَارًا، كَأَنَّهُ بِالْعَرْضِ يُعْلَمُ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ، فَكَذَلِكَ بِالْمُشَاوَرَةِ يُعْلَمُ خَيْرُ الْأُمُورِ وَشَرُّهًا؛ ومن هنا جاءت «المشورة»، لأن الإنسان حين يستشير غيره إنما يستخلص أصفى الآراء وأحسنها، كما يستخرج العسل صفوَ الرحيق من بين الزهور. فالمشورة ليست مجرد سؤال، بل هي انتقاءٌ للحكمة، واستخراجٌ لخلاصة الفكر، واختيارٌ لأفضل ما عند العقول من رأي وتجربة.
الاستبداد بالرأي بداية الخلل الاجتماعي:
من الجوانب الاجتماعية المهمة التي ينبغي التنبيه عليها أن بعض الناس قد يصل إلى مكانة عالية في جانب من جوانب الحياة؛ فقد يكون صاحب علم واسع في الطب، أو الهندسة، أو الأدب، أو الإدارة، أ أو أي مجال معرفي آخر، وقد يكون أيضًا صاحب نفوذ أو مال أو مكانة اجتماعية مرموقة تجعله حاضرًا بقوة في محيطه الاجتماعي. ومع هذا الارتفاع في المكانة، قد يقع بعض الناس – من حيث يشعرون أو لا يشعرون – في خطأ خطير، وهو الشعور بالاكتفاء عن الآخرين، والاعتقاد بأنهم لم يعودوا بحاجة إلى الاستشارة أو سماع الرأي الآخر.
حين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يبدأ بالنظر إلى آرائه على أنها الأقرب إلى الصواب دائمًا، ويرى أن خبرته أو مكانته تغنيه عن مراجعة الآخرين أو الاستفادة من تجاربهم. وقد يتطور هذا الأمر إلى نوع من التعالي غير المقصود، فيصبح الاستماع إلى الآخرين بالنسبة له أمرًا ثانويًا، وربما يرى أن من حوله أقل فهمًا أو أقل إدراكًا من أن يقدموا له رأيًا نافعًا.
وهذا الخلل لا يقتصر على أصحاب المناصب الدنيوية أو أصحاب النفوذ فقط، بل قد يشمل مختلف الفئات والشرائح في المجتمع، فقد يظهر عند الطبيب، أو المعلم، أو الأستاذ الجامعي، أو الإداري، أو التاجر، أو صاحب المكانة الاجتماعية، أو أي إنسان يشعر أن خبرته وموقعه يغنيانه عن سماع الآخرين. وقد يظهر كذلك حتى عند بعض من محسوبون على الدين والإرشاد بشكل مباشر و أخص، كالمشايخ وطلبة العلم، فالعلم وحده لا يكفي إن لم يصاحبه تواضع، والمكانة لا تحمي صاحبها من الخطأ إذا أغلق باب المشورة على نفسه.
وقد نرى أحيانًا أشخاصًا بلغوا درجات عالية من النجاح، لكنهم يرتكبون أخطاء كبيرة في تعاملهم مع الناس أو في اتخاذ قراراتهم، ليس بسبب نقص العلم، بل بسبب غياب التواضع ورفض الاستماع. فقد يتصرف أحدهم بطريقة لا تتناسب مع مكانته العلمية أو الاجتماعية، فيخسر احترام الناس تدريجيًا، ويضعف حضوره الاجتماعي، لأن الناس لا تقيس الإنسان بعلمه فقط، بل أيضًا بأخلاقه وسعة صدره وحسن تعامله.
إن الإنسان مهما بلغ من العلم والخبرة، تبقى نظرته محدودة بزاويته الخاصة وتجربته الشخصية، بينما الآخرون قد يرون ما لا يراه، وينتبهون إلى جوانب غابت عنه. فالمشورة لا تعني ضعفًا، بل هي دليل نضج، ولا تعني قلة ثقة بالنفس، بل هي علامة وعي واتزان.
ولهذا فإن من أهم صفات الإنسان الناجح أن يكون لديه مستشارون من أهل الثقة والرأي، أشخاص صادقون لا يجاملونه على حساب الحقيقة، بل يضعون أمامه الأمور كما هي، ويقدمون له الرأي الأمين الذي يساعده على اتخاذ القرار الصحيح. فوجود مثل هؤلاء نعمة كبيرة، لأنهم يحمون الإنسان من قرارات متسرعة، ومن أخطاء قد تكون آثارها كبيرة.
والتواضع مطلب مهم هنا، فهو ليس مجرد خلق جميل، بل هو وسيلة حماية للنفس من الغرور، وللعقل من الانغلاق، وللعلاقات من التصدع. فكلما ازداد الإنسان علمًا، ازداد شعوره بأنه بحاجة إلى التعلم، وكلما ارتفعت مكانته، ازداد حرصه على ألا يفقد بساطته وإنسانيته.
أهل البيت عليهم السلام يؤكدون قيمة المشورة:
وقد عبّر أهل البيت (عليهم السلام) عن هذه الحقيقة بكلمة عظيمة حيث ورد عن الإمام علي عليه السلام :
«مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا»(١)
أي أن الإنسان حين يستشير غيره لا يعتمد فقط على عقله الفردي، بل يستفيد من عقول متعددة وتجارب متنوعة، فتتسع الرؤية، وتكتمل الصورة، وتقل نسبة الخطأ.
فالإنسان وحده قد يرى جانبًا واحدًا من القضية، لكن عندما يستمع إلى غيره، تتكشف له زوايا أخرى لم يكن يلتفت إليها. وربما كلمة واحدة من ناصح صادق تمنع خسارة كبيرة، أو تحفظ علاقة مهمة، أو تصحح قرارًا مصيريًا.
جاء في حديث عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أنّه قال: «مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إِلَّا هُدُوا إِلَى رُشْدِهِمْ»(٢)
وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه نقل من التوراة هذه الحكمة: «مَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ يَنْدَم»(٣)
الاستشارة والتواضع: عنوان النضج الاجتماعي
إن الناس لا تنجذب فقط إلى صاحب العلم، بل إلى صاحب القلب المتواضع، الذي يسمع قبل أن يتكلم، ويقبل النصيحة قبل أن يقدمها، ويحترم الآخرين مهما اختلفت مواقعهم. وهذا هو الحضور الحقيقي الذي يبقى، لأن الهيبة قد تُفرض، لكن المحبة لا تُنال إلا بالتواضع.
كذلك نجد بعض الشخصيات الاجتماعية يطلبون المشورة ممن حولهم، ويتلقّون التوجيهات والنصائح في مواقف معينة، إلا أن عدم التزامهم بتلك التوجيهات، وعدم أخذهم بالنصح الصادق، يجعلهم يقعون في تكرار الأخطاء نفسها. وهذا التكرار لا يضعف قراراتهم فحسب، بل يقلّل من تأثيرهم في الساحة الاجتماعية، لأن الناس لا تنظر إلى كثرة الاستشارة وحدها، بل إلى مدى الاستفادة منها والعمل بمقتضاها. فالمشورة التي لا يتبعها إصلاح حقيقي تبقى مجرد مظهر، أما الأثر الحقيقي فيكون حين تتحول النصيحة إلى سلوك، والرأي الصادق إلى قرار ناضج ومسؤول.
وفي الختام، فإن أعظم ما يحفظ الإنسان بعد نجاحه ليس شهاداته ولا منصبه، بل تواضعه وحسن تعامله، وقدرته على الاستفادة من الآخرين دون كِبر. فالعقل الفردي مهما اتسع يبقى محدودًا، أما حين يجتمع مع عقول الآخرين، فإنه يقترب أكثر من الصواب.
إن الاستماع للآخرين من علامات الرشد، ولهذا فإن الاستشارة ليست نقصًا، بل قوة، والتواضع ليس انكسارًا، بل رفعة، ومن عرف قدر نفسه، لم يتكبر على من حوله، بل أدرك أن الحكمة قد تأتي أحيانًا من كلمة صادقة يقولها إنسان بسيط، وحين يغلق الإنسان باب المشورة يبدأ الخطأ.
هوامش:
(١) نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ١٦١.
(٢) بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ١٠٥، ح ٤.
(٣) المصدر السابق، ج ٧٤، ص ٤٣، ح ١٣.



