بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾
في ليلةٍ هادئة، جمعتني جلسة مع شخصٍ عزيز على القلب، بدا وكأن التعب قد استقر في ملامحه طويلاً.
كان يعيش ضغطاً نفسياً متواصلاً؛ يحمل همومه دفعةً واحدة، ويُكثر الالتفات إلى التفاصيل الصغيرة حتى أصبحت تستنزف هدوءه شيئاً فشيئاً. شعرتُ أن روحه متعبة من كثرة التفكير، وأنه يعيش داخل عقله أكثر مما يعيش واقعه الحالي بالتوكل على الله عز وجل والرضا بقضائه .
لم أشأ أن أُوجهه بنصائح مباشرة، فبعض القلوب لا تحتاج إلى كثرة الكلام، بل إلى صورةٍ بسيطة توقظ المعنى في داخلها.
رفعتُ كأس الماء الذي كان أمامي، وقلت له:
كم تتوقع وزن هذا الكأس؟
أجابني بتقديرٍ بسيط، فقلت له مبتسماً:
المشكلة ليست في وزن الكأس نفسه، بل في المدة التي سأظل ممسكاً بها.
لو حملته دقيقة فلن أتعب، ولو ساعة سيبدأ الألم في ذراعي، أما لو بقيت ممسكاً به طوال اليوم فستتشنج يدي وربما تعجز عن الحركة.
وهكذا هي هموم الحياة؛ ليست دائماً في حجم المشكلة، بل في استمرار حملها داخل العقل والقلب. هناك من يحتفظ بكلمة قاسية قيلت له منذ سنوات، أو بموقفٍ مضى وانتهى، لكنه ما زال يعيشه كل يوم من جديد. الإنسان لا يرهقه الحدث وحده، بل يرهقه دوام التفكير فيه، وكأن عقله نسي كيف يضع هذا الحمل قليلاً ليستريح.
ثم قلت له:
الحياة لا تسير دائماً كما نريد، وهي لم تُخلق على صورة توقعاتنا.
إنها تشبه قيادة السيارة في شارعٍ مزدحم؛ أنت لا تقود وحدك، بل تقود الشارع كاملاً بما فيه، وتتعامل مع طرق مزدحمة، وأشخاص متوترين، ومفاجآت لا تتوقعها، واشارات ومطبات وحفر وأشخاص تمشي ومع ذلك تحاول أن تصل بسلام.
وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
«ما يقرأ أحدٌ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ حين يركب دابةً إلا نزل عنها سالمًا مغفورًا».
فالإنسان إذا اشترط أن تأتيه الحياة كما يشتهي، أتعب نفسه كثيراً، لأن التغيير جزء من طبيعة الدنيا. أما الإنسان المرن، فهو الذي يتعامل مع التقلبات بهدوء، ويحافظ على سكينته رغم الضجيج من حوله. ياصديقي العزيز أنت عليك السعي أما النتائج فبيد الله عز وجل تحمل رحمته ولطفه وعطفه وحكمته.
ثم قلت له:
بعض المشاكل تزداد قسوة كلما واجهناها بعناد وغضب وحساسية.
تخيّل صندوقاً شفافاً بداخله قطعة ذهب كبيرة ومستطيلة، وله فتحة ضيقة دائرية.
كان بعض الناس يُدخل يده ويقبض على الذهب بقوة، ثم يحاول إخراجها فلا يستطيع؛ لأن تشبثه الزائد جعل الأمر أصعب، وكلما حاول بعصبية ازداد ألماً.
بينما شخص آخر تعامل مع الأمر بهدوء؛ خفف قبضته قليلاً، وغيّر زاوية الإمساك بالقطعة، فأخرجها بسهولة.
وكثير من معاركنا النفسية تشبه ذلك تماماً؛ ليست المشكلة دائماً في البلاء نفسه، بل في طريقة تعاملنا الغاضب معه، وفي مقاومتنا المستمرة لشيء قد وقع وانتهى.
وأذكر أنني سألت سماحة الأب الروحي العلامة الشيخ محمد كاظم الجشي أدام الله عليه أثواب الصحة والعافية:
كيف يستطيع الإنسان أن يسيطر على أفكاره ويجمع قلبه في الصلاة؟
فقال لي:
"أول الطريق: الابتعاد عن الحالات النفسية: العصبية والحساسية، لا تحمل همّ الدنيا.
كانت كلمة قصيرة، لكنها عميقة جداً. فالروح المرهقة بالانفعال والقلق يصعب عليها أن تحضر مع الله بهدوء وطمأنينة.
والسلام النفسي لا يعني أن تختفي المشاكل من الحياة، بل تكون الطمأنينة في حضور الله في قلبك وفكرك ولسانك وأن نتعلم كيف نعبر هذا الابتلاء دون أن نحمله لفترة طويلة في قلوبنا فتضعف أجسادنا وأرواحنا بسرعة ونكون عرضة للإكتئاب الحاد لا سمح الله.
أن نعرف متى نفكر، ومتى نتوقف، ومتى نضع (الكأس) قليلاً لنلتقط أنفاسنا ونستعيد توازننا.
فالتعب جزء من طبيعة هذه الدنيا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾،
لكن الله سبحانه، كما جعل هذا التعب سنةً في الحياة، جعل السكينة رحمةً يفتح بها القلوب؛
بوابتها الرضا، وعمادها التوكل، وسقفها حسن الظن بالله تبارك وتعالى.
فضع كأسك قليلاً واطمئن، فإن لك رباً يدبّر الأمر كله بلطفه ورحمته وحكمته.
والحمدلله رب العالمين.
لأنك مصدرنا الأول .. شاركنا أخبارك موثقة بالصور .. قضية .. مقال .. وذلك بالإرسال على رقم خدمة الواتساب 0594002003
- 2026-05-24 أمانة الأحساء تُطلق تصاريح ذبح الأضاحي لموسم عيد الأضحى 1447هـ لتوسيع الخيارات وتقليل الازدحام
- 2026-05-24 خطر تجاهل الإنهاك الحراري.. أطباء طوارئ: قد ينتهي بضربة شمس قاتلة
- 2026-05-24 الصحة تفعّل 30 وحدة صحية في المشاعر المقدسة لخدمة ضيوف الرحمن
- 2026-05-24 تعرف على مصليات عيد الأضحى المبارك لعام 1447هـ في الأحساء
- 2026-05-24 احذر في الصيف.. أطعمة ومشروبات شائعة قد تسرّع الجفاف وتضاعف مخاطر الإجهاد الحراري
- 2026-05-24 تعامد الشمس ظاهرة فلكية لا ترفع درجات الحرارة
- 2026-05-24 الدرعية يحقق إنجازًا تاريخيًا ويصعد إلى دوري المحترفين
- 2026-05-23 🇸🇦 الإعلان عن القائمة الأولية للمنتخب السعودي استعدادًا لمونديال 2026
- 2026-05-23 دنيا أبوطالب تُهدي المملكة فضية آسيا
- 2026-05-23 وزارة الصحة: 3 فوائد للجسم من ممارسة التمارين
التفكير الهادئ مفتاح الحلول الذكية
2026-05-24 8:39 ص
مصطفى الزير
لا يوجد وسوم
0
27



