إذا كان الإنسان يُعرف بأعماله، فإن من أعظم ما يخلّد ذكره بعد رحيله علاقته بكتاب الله تعالى. ومن الصفات البارزة التي عُرف بها الراحل أبو نضال عبد الله حسين الكشي اهتمامه العميق بالقرآن الكريم، حتى أصبح القرآن جزءًا أصيلًا من برنامجه اليومي، ومصدرًا دائمًا لطمأنينته، ومنهجًا يوجّه حياته ويغذي روحه.
علاقة مستمرة بكتاب الله:
لم يكن القرآن الكريم بالنسبة إليه كتابًا يُقرأ في المناسبات أو في شهر رمضان فحسب، بل كان رفيقًا دائمًا في حياته. فقد اعتاد رحمه الله أن يختم القرآن الكريم كاملًا كل أسبوع، محافظًا على هذا الورد بإخلاص وثبات، مهما كانت مسؤولياته أو مشاغله.
وهذا يدل على أن ارتباطه بالقرآن لم يكن ارتباطًا عابرًا، بل كان التزامًا عمليًا نابعًا من إيمان عميق بأن القرآن هو مصدر الهداية والنور، وأن من أراد صلاح قلبه واستقامة حياته فلا غنى له عن ملازمة كتاب الله.
كان أبو نضال يؤمن بأن القرآن ليس كتابًا للتلاوة فحسب، بل هو كتاب حياة، يوجّه الإنسان في عبادته وأخلاقه وعلاقاته وقراراته. ولذلك لم يكن يكتفي بقراءة الآيات، بل كان يحث على تدبرها، والتأمل في معانيها، واستحضار هداياتها في الواقع العملي.
فالقرآن عنده لم يكن مجرد ألفاظ تُتلى، وإنما رسالة تُفهم، ومنهج يُتبع، ونور يهدي الإنسان في مختلف مراحل حياته.
وصية متكررة لأبنائه: التربية بالقدوة
ومن أجمل ما تركه رحمه الله وصاياه المتكررة لأبنائه وبناته، فقد كان يوصيهم دائمًا بالمحافظة على صلتهم بكتاب الله، ويذكّرهم بأن الانشغال بأعباء الحياة لا ينبغي أن يكون سببًا لترك القرآن.
وكان يقول لهم بمعنى كلامه:
“مهما اشتدت عليكم ظروف الحياة، وكثرت مسؤولياتكم، فلا أقل من أن تقرؤوا صفحة أو صفحتين من القرآن الكريم كل يوم.”
ولم يكن يقصد بهذا الحد الاكتفاء بالقليل، وإنما كان يريد أن يغرس في نفوسهم مبدأ الاستمرار وعدم الانقطاع، لأن الأعمال الدائمة، وإن قلت، أحب إلى الله من الأعمال الكثيرة المنقطعة.
وكان يحثهم كذلك على أن تكون القراءة مصحوبة بالتدبر، حتى تتحول آيات القرآن إلى سلوك وأخلاق ومواقف في الحياة.
من أعظم أساليب التربية أن يرى الأبناء ما يسمعونه واقعًا في حياة والديهم. وقد جسّد أبو نضال هذا المبدأ بأبهى صوره؛ فلم يكتفِ بالوصية بقراءة القرآن، بل سبق أبناءه إلى العمل بها، فكان قدوة لهم في المواظبة على التلاوة، والمحافظة على ورده الأسبوعي، والحرص على عدم التفريط فيه.
ولهذا كانت وصاياه مؤثرة؛ لأنها خرجت من رجل عاش ما يدعو إليه، فاجتمع في شخصه صدق الكلمة مع صدق العمل.
أثر القرآن الكريم في شخصيته:
كان القرآن الكريم مؤنساً له ، فلم يكن مجرد كتاب يتلوه، بل منهجًا للحياة، ومصدرًا للتربية، ودستورًا يوجه فكره وسلوكه. أحب كتاب الله وتلاوته، وظل هذا الارتباط يزداد عمقًا مع تقدمه في العمر، حتى أصبحت آيات القرآن حاضرة في قراراته، وأخلاقه، وعلاقاته، ونظرته إلى الحياة.
لعل كثيرًا من الصفات التي عرفه الناس بها كانت ثمرة لهذا الارتباط الوثيق بالقرآن الكريم؛ فقد عُرف بحبه للعلم، وحرصه على تربية الأجيال، وصبره في مواجهة الصعوبات، وانضباطه في حياته، وإخلاصه في أداء مسؤولياته، وهي كلها قيم غرسها القرآن في نفوس المؤمنين، وجعلها من سمات أهل التقوى.
فالإنسان الذي يجعل القرآن أنيسه في ليله ونهاره، لا بد أن تنعكس أنواره على قلبه ولسانه وجوارحه، فيصبح القرآن ظاهرًا في أخلاقه قبل أن يكون في تلاوته.
ومن أوضح آثار القرآن في حياته محافظته الدقيقة على الصلاة، فقد كان يؤديها في أول وقتها، ويعدها أعظم أعمال اليوم، فلا يسمح لشاغل أن يؤخرها عن وقتها. وكان شديد الحرص على صلاة الجماعة، بل اعتاد الحضور إلى المسجد مبكرا قبل الأذان بفترة ليست قصيرة ، فيجلس ذاكرًا لله أو يتلو القرآن حتى تقام الصلاة، وقد أصبح هذا السلوك عادة ملازمة له عرفه بها أهل المسجد سنوات طويلة.
وكان يرى أن الصلاة أعظم ما يورثه الإنسان لأبنائه، ولذلك لم يكتفِ بتوجيههم بالكلام، بل كان يربيهم بالممارسة والقدوة. فكان يعلم أبناءه، ثم أحفاده وأسباطه، كيفية الوضوء الصحيح، ويقف معهم ليصحح أداءهم للصلاة، ويغرس في نفوسهم حب المسجد والارتباط به، حتى أصبحوا يحافظون على الصلاة منذ صغرهم، متأثرًين بما رأوهم من جدهم وأبيهم.
كما كان من رواد مجالس الذكر والعلم، يحرص على حضورها متى ما استطاع، ويجد فيها غذاءً لقلبه وزادًا لإيمانه، مؤمنًا بأن العلم والذكر يحييان القلب كما يحيي الماء الأرض بعد موتها.
وقد انعكس القرآن على أخلاقه انعكاسًا واضحًا؛ فكان بشوش الوجه، لين الجانب، حسن الاستماع، كريم المعشر، متواضعًا مع الجميع، لا يرفع نفسه على أحد، ولا يسيء إلى أحد، ويحرص على إصلاح ذات البين، ويقابل الإساءة بالعفو والإحسان، تطبيقًا لقول الله تعالى:
﴿وَلا تَستَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادفَع بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ فَإِذَا الَّذي بَينَكَ وَبَينَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ﴾ [١]
ومن أجمل ما تميز به وفاؤه لأرحامه، فقد كان يرى أن صلة الرحم عبادة لا تنقطع بتقدم العمر. ولذلك ظل، حتى في سنواته المتقدمة، يزور أقاربه بنفسه، رجالًا ونساءً، حتى أولئك الذين يصغرونه بعشرات السنين، ولم يكتفِ بالسؤال عنهم عبر الهاتف، بل كان يحرص على لقائهم والجلوس معهم ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم، إدراكًا منه لعظيم حق الرحم وأثرها في تماسك الأسرة.
ولم تكن صلته لهم بالكلمة الطيبة وحدها، بل كان يعين المحتاج منهم بما يستطيع، ويقدم الدعم المادي بسرية وكرامة، ويقف إلى جانبهم بالنصيحة والمواساة والتشجيع، حتى أصبح ملاذًا يلجأ إليه كثير من أفراد العائلة عند الحاجة.
وامتد عطاؤه إلى مجتمعه، فكان من أصحاب الأيادي البيضاء في دعم المشروعات الخيرية والإنسانية في بلدته. فقد أسهم في دعم بناء المساجد، والبرامج الدينية، ومشروعات رعاية المحتاجين، والأنشطة الاجتماعية، وكان يرى أن المال نعمة لا تكتمل بركتها إلا إذا أنفق منها في سبيل الله وخدمة الناس.
ولم يكن عطاؤه مرتبطًا بمناسبة أو موسم، بل كان ديدنه طوال حياته، يفرح عندما يرى مشروعًا خيريًا ناجحًا، ويسارع إلى دعمه بما يستطيع، إيمانًا بأن خير الناس أنفعهم للناس، وأن الصدقة الجارية من أعظم ما يبقى للإنسان بعد رحيله.
وكان يؤمن بأن المال أمانة استخلف الله الإنسان فيها، وأن خيره الحقيقي فيما ينفقه في وجوه البر والإحسان، ولذلك لم يتردد يومًا في دعم الأعمال التي تحقق النفع العام، سواء كانت تعليمية أو دينية أو اجتماعية أو إنسانية.
كما عُرف بحرصه على الإصلاح بين الناس، فإذا بلغه خلاف بين قريبين أو صديقين سعى إلى التقريب بينهما، واستخدم حكمته ولين كلامه حتى تعود المودة إلى القلوب، وكان يرى أن إصلاح ذات البين من أجلِّ الأعمال وأقربها إلى مرضاة الله.
وكان يحترم الوقت احترامًا كبيرًا، فيلتزم بمواعيده، ويحرص على الوفاء بما يعد به، ويؤدي مسؤولياته بإتقان وأمانة. كما كان مثالًا في الانضباط الوظيفي، يحرص على الحضور الكامل والالتزام بأوقات العمل، ويؤدي واجباته بكل جدية وإخلاص. وقد لمس الضباط والعاملون تحت إدارته هذا الانضباط والحرص، فكان لا يقبل التهاون أو التسيب في العمل، ويؤمن بأن أداء المسؤولية عبادة وأمانة، مستشعرًا قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهلِها﴾ [٢]
وهكذا ظل القرآن الكريم حاضرًا في تفاصيل حياته كلها؛ في عبادته، وأخلاقه، وتربيته لأبنائه، وصلته لأرحامه، وخدمته لمجتمعه، حتى أصبح نموذجًا حيًا للإنسان الذي لم يكتفِ بتلاوة القرآن، بل عاش معانيه، وترجم هداياته إلى واقع يراه الناس في سيرته قبل أن يسمعوه في كلامه، ولذلك أحبه الناس، واحترموه، ورأوا فيه صورة الإنسان الذي عاش مع القرآن.
ميراث لا ينقطع:
لقد ترك أبو نضال لأبنائه ميراثًا أعظم من المال، وهو ميراث الارتباط بكتاب الله. فالمال يفنى، والمناصب تزول، أما غرس حب القرآن في نفوس الأبناء فهو صدقة جارية يمتد أثرها جيلاً بعد جيل.
وما أجمل أن يبقى الأب حاضرًا في حياة أبنائه من خلال وصية يرددونها، أو وردٍ قرآني حافظوا عليه اقتداءً به، أو خلقٍ كريم تعلموه من سيرته.
إن سيرة أبي نضال عبد الله حسين الكشي تذكرنا بأن النجاح الحقيقي لا يقاس بما يحققه الإنسان من إنجازات دنيوية فحسب، وإنما بما يبنيه من علاقة مع الله تعالى، وما يتركه من أثر صالح في أسرته ومجتمعه.
لقد كان القرآن الكريم رفيق حياته، وزاد يومه، ومنهج تربيته، وأعظم وصاياه لأبنائه. نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن شفيعًا له، وأن يجزيه خير الجزاء على ما غرسه في نفوس أبنائه من حب كتاب الله، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وآله:
«خَيرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ» [٣]
هوامش:
[١] [فصلت: ٣٤]
[٢] [النساء: ٥٨]
[٣] الخير والبركة في الكتاب والسنة، محمد الريشهري، ص ١٣١، المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، ج ٢، الفيض الكاشاني، ص ٢١٠، نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت، ج ٣، السيد محمد حسين الطهراني، ص ٢٥٣. حكم النبي الأعظم ( ص )، ج ٣، محمد الريشهري، ص ٥٧١



