قال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام):
«أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الإِخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ.» [١]
هذه الحكمة العلوية من الحكم الخالدة التي تكشف جانبًا مهمًا من جوانب بناء الإنسان، فهي لا تتحدث عن العجز الجسدي أو ضعف الإمكانات، وإنما تتحدث عن العجز الحقيقي الذي يصيب النفس والخلق. فالإنسان قد يمتلك المال، والعلم، والمنصب، والقدرة، لكنه إذا لم يستطع أن يكسب قلوب الناس، ويؤسس علاقات قائمة على المودة والاحترام والوفاء، فقد خسر جانبًا عظيمًا من نجاحه في الحياة.
وتلفت الحكمة النظر إلى أمرين؛ الأول هو اكتساب الإخوان، والثاني هو المحافظة عليهم. فليس كل من يلتقي بالناس يصبح أخًا لهم، وإنما الأخوة ثمرة حسن الخلق، وصدق المعاملة، والإخلاص، والتواضع، والوفاء. وإذا وفق الإنسان إلى هذه النعمة، فإن مسؤوليته لا تنتهي عند حدود تكوين العلاقة، بل تبدأ مرحلة أصعب، وهي المحافظة عليها، لأن العلاقات الإنسانية تحتاج إلى رعاية مستمرة، كما تحتاج الأشجار إلى الماء، فإذا انقطع عنها الاهتمام ذبلت، وربما ماتت.
ولذلك وصف الإمام (عليه السلام) من يضيع إخوانه بأنه أعجز ممن لم يكتسبهم أصلًا؛ لأن الأول خسر نعمة كانت بين يديه، وفرّط في كنز لا يعوض بسهولة. فالصداقات الصادقة والعلاقات المخلصة لا تُشترى بالأموال، وإنما تُبنى عبر سنوات من حسن المعاملة، وقد تنهدم بسبب إهمال أو جفاء أو انقطاع.
إن المحافظة على الإخوان ليست أمرًا شكليًا، بل هي سلوك يومي يظهر في السؤال، والزيارة، والاتصال، والمشاركة في الأفراح والأحزان، وتقديم العون عند الحاجة، وإظهار التقدير والامتنان، وعدم نسيان أصحاب الفضل مهما طال الزمن. وقد ورد في الأثر: «تزاوروا تحابوا»، لأن اللقاء يجدد المودة، ويزيل ما قد يعلق بالنفوس من فتور، ويعيد للعلاقات دفئها وحيويتها.
ومن ينظر في سيرة أبي نضال عبدالله حسين الكشي يجد أنه كان مثالًا حيًا لهذه الحكمة العلوية، فلم يكن رجلًا يعرف الناس ثم ينساهم، أو يبني العلاقات ثم يتركها مع مرور الأيام، بل كان يؤمن بأن العلاقة الإنسانية أمانة ينبغي المحافظة عليها، وأن الوفاء للأصدقاء والإخوان من مكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام.
لقد امتلك أبو نضال قدرة مميزة على بناء العلاقات الإنسانية، لكنه كان يرى أن النجاح الحقيقي لا يكمن في كثرة المعارف، وإنما في دوام المودة معهم. ولهذا ظل محافظًا على علاقاته القديمة، مهما تباعدت المسافات أو تغيرت الظروف، وكان يحرص على السؤال عن أصحابها، والاطمئنان على أحوالهم، وتجديد اللقاء بهم كلما سنحت الفرصة.
ومن أبهى صور هذا الوفاء حرصه الدائم على التواصل مع زملائه في الكلية الحربية (الدفعة الثلاثون)، الذين شاركوه سنوات الدراسة والتكوين العسكري، ثم مع من عملوا معه في القوات العسكرية السعودية، وكذلك من انتقلوا إلى القطاع المدني. فلم يكن الزمن ولا اختلاف مواقع العمل سببًا في انقطاع تلك الروابط، بل بقيت قائمة على المحبة والوفاء والاحترام المتبادل.
وكان يحرص على تهنئتهم في شهر رمضان المبارك والأعياد، ويتابع أحوالهم، ويشاركهم مناسباتهم، كما كانوا يجتمعون في لقاء سنوي يجمع أفراد الدفعة من مختلف مناطق المملكة، يجددون فيه ذكرياتهم ويؤكدون استمرار روابط الأخوة التي نشأت منذ سنوات الشباب. ومن آخر تلك اللقاءات الاجتماع الذي أُقيم في مدينة العلا شمال المدينة المنورة، والذي كان مصدر سعادة كبيرة له لما يجده فيه من لقاء الأحبة واستعادة الذكريات الجميلة.
ومن زملائه الذين ظل يعتز بعلاقته بهم اللواء محمد الغفيلي، واللواء عبدالرحمن الخليفة، واللواء محمد الهويدي، والأستاذ محمد الحاقان، وغيرهم من رفاق الدرب الذين بقيت مودتهم حاضرة في قلبه.
ولم يقتصر وفاؤه على زملاء الدراسة والعمل، بل امتد إلى أبناء بلدته الحليلة، حيث كان شديد الحرص على التواصل مع رجالاتها وأهلها، يزورهم، ويسأل عنهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويعد ذلك جزءًا من واجبه الأخلاقي والاجتماعي، و يشمل ذلك أقاربه وأصدقائه من عائلة الكشي و غيرهم من العوائل الأخرى من أبناء البلدة الذين بقيت بينهم وبينه روابط المودة والإخاء حتى آخر أيام حياته.
ومن الشواهد الجميلة أيضًا ما كان بينه وبين الطبيبين الفاضلين الدكتور جابر الحبيب والدكتور عبدالعظيم البراهيم، اللذين تعرف إليهما خلال حضوره في حملات الحج. فقد بدأت العلاقة في موسم من مواسم الطاعة، لكنها لم تنته بانتهاء الحج، بل استمرت سنوات طويلة، لأن أبا نضال كان يؤمن بأن الأخوة الصادقة لا ترتبط بزمان أو مكان.
وعلى الرغم من أنه كان يكبرهما سنًا، ويعد في منزلة الوالد لهما، فإنه لم يتعامل معهما بروح التعالي، بل كان يغمرهما بالمحبة والتقدير، ويكثر من السؤال عنهما، ويتابع أخبارهما، ويطمئن على صحتهما وأحوالهما، وكان كثيرًا ما يطلب ممن يعرفهما أن ينسق له موعدًا للقائهما، لأنه كان يجد في اللقاء تجديدًا للمودة، وإحياءً للعلاقة، وتجسيدًا لمعنى الوفاء.
ولم تكن هذه العلاقات استثناءً في حياته، بل كانت منهجًا ثابتًا سار عليه مع كل من عرفهم. فقد كان يحتفظ بأرقامهم، ويتذكر مناسباتهم، ويزورهم، ويتواصل معهم، ولا يسمح لانشغالات الحياة أن تقطع خيوط المحبة التي نسجها عبر السنين. وكان يرى أن الإنسان إذا فقد علاقاته الصادقة، فقد شيئًا من ثروته المعنوية التي لا تعوض.
وكان يدرك أن السؤال عن الناس لا يحتاج إلى مناسبة كبيرة، فقد تكون مكالمة قصيرة، أو زيارة خاطفة، أو رسالة سلام، لكنها تترك أثرًا بالغًا في النفوس، وتشعر الإنسان بأنه حاضر في قلوب إخوانه، وأن مكانته لم تتغير مهما تقادمت الأيام.
ولذلك أحبه الناس، ولم يكن حبهم له نابعًا من منصب أو جاه أو مصلحة، وإنما من أخلاقه ووفائه وحرصه على استمرار العلاقات. فكم من إنسان يجيد التعرف إلى الآخرين، لكنه لا يجيد المحافظة عليهم، وكم من علاقة جميلة بدأت قوية ثم انتهت بسبب الإهمال، بينما كان أبو نضال يدرك أن العلاقات تحتاج إلى تعاهد دائم، فكان يرويها بالسؤال، ويثبتها باللقاء، ويقويها بالمودة الصادقة.
وهذه السيرة تقدم درسًا عمليًا للأجيال؛ فوسائل التواصل الحديثة قربت المسافات، لكنها لم تغنِ عن التواصل الحقيقي، ولا عن السؤال الصادق، ولا عن اللقاء الذي يحيي القلوب. فما أجمل أن يجعل الإنسان لنفسه نصيبًا من هذه الحكمة العلوية، فيسعى إلى كسب الإخوان بحسن خلقه، ثم يحافظ عليهم بالوفاء وحسن العهد.
لقد كان أبو نضال مثالًا للرجل الذي فهم معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلم يكتفِ باكتساب الإخوان، بل حافظ عليهم، وأحسن رعايتهم، وظل وفيًا لهم حتى آخر حياته. وهكذا بقيت علاقاته ممتدة، ومحبته راسخة في القلوب، ليبرهن أن الإنسان قد يترك وراءه مالًا أو منصبًا، لكن الذي بقى أثره طويلًا هو القلوب التي كسبها بالمحبة، والوفاء، وحسن الخلق، وصدق التواصل.
هوامش:
[١] نهج البلاغة، ج ٤، خطب الإمام علي ( ع )، ص ٤




