قبل أيام من موعد الزيارة، يتلقى المستفيد اتصالًا من الباحث الاجتماعي لتحديد اليوم المناسب. يوافق على الموعد، ويرتب التزاماته، ويحرص على أن يكون موجودًا في المنزل حتى لا تضيع الزيارة أو تتأخر إجراءاتها.
هنا تبدأ حكاية لا تظهر في النماذج ولا في التقارير.
فالمستفيد الذي يعمل براتب شهري قد لا يشعر بفرق كبير، لكن الصورة تختلف عند من يعتمد على دخله اليومي. سائق في أحد تطبيقات التوصيل، شاب يحمل وثيقة عمل حر، حرفي، بائع في سوق متنقل، أو صاحب مشروع صغير… جميعهم يربحون عندما يعملون، ويتوقف دخلهم عندما يتوقفون.
لذلك، فإن تخصيص ساعات من يوم العمل للالتزام بموعد الزيارة قد يعني بالنسبة لبعضهم خسارة جزء من دخل ذلك اليوم.
ولا أتحدث هنا عن مبدأ الزيارة، فوجود وسائل للتحقق من استحقاق الدعم أمر طبيعي، والباحث الاجتماعي يؤدي مهمة أسندت إليه وفق الأنظمة.
الحديث يدور حول أثر هذا الإجراء على المستفيد، وهل يمكن تخفيفه دون الإخلال بأهداف التحقق.
اليوم، كثير من بيانات المستفيدين أصبحت متاحة للجهات الحكومية عبر الربط الإلكتروني، وهو ما يدفع إلى التساؤل: هل يمكن أن يكون هذا الربط هو الوسيلة الأولى في الحالات المستقرة، وتكون الزيارة للحالات التي تستدعي التحقق الميداني؟
وإذا كانت بعض الزيارات لا يمكن الاستغناء عنها، فهناك جانب يستحق الدراسة.
المستفيد الذي اضطر إلى تعطيل عمله من أجل الالتزام بموعد رسمي، هل يستحق أن يُنظر في تعويضه عن هذا التعطل؟
لا أتحدث عن رقم محدد، لكن طرح فكرة بدل تعطل – وليكن في حدود 200 ريال – يستحق النقاش، أو أي آلية أخرى تراها الجهات المختصة مناسبة. فالمسألة ليست قيمة المبلغ، وإنما الاعتراف بأن وقت المواطن أصبح جزءًا من دخله، خاصة مع توسع ثقافة العمل الحر والأعمال المرنة التي شجعتها الدولة خلال السنوات الماضية.
ومن زاوية أخرى، قد يكون تقليل الزيارات غير الضرورية مكسبًا للجميع؛ يخفف العبء التشغيلي على الجهة، ويمنح الباحث الاجتماعي وقتًا أكبر للحالات التي تستدعي الزيارة فعلًا، ويجنب المستفيد تعطيل أعماله دون حاجة.
مثل هذه الأفكار لا تنتقص من جهود الجهات الحكومية، بل تنطلق من قناعة بأن الأنظمة والخدمات تتطور باستمرار، وكل تطوير يهدف إلى تحقيق التوازن بين كفاءة الإجراءات ومصلحة المواطن.
ولعل الوقت أصبح مناسبًا لفتح هذا الملف، والاستماع إلى آراء المستفيدين، خصوصًا أولئك الذين يعتمدون على العمل اليومي، لأن الحفاظ على المال العام هدف مهم، والحفاظ على وقت المواطن لا يقل أهمية عنه.




