في إحدى السفرات، لفت انتباهي مشهد لم يكن موجودًا في دليل السياحة. رجل مسن يقف خلف عربة خشبية صغيرة، يبيع أكلة شعبية توارثها عن أبيه. كان أمامه طابور من السياح، وكل واحد منهم يحمل هاتفه أكثر مما يحمل نقوده. لم يكونوا يشترون الطعام فقط، بل كانوا يشترون صورة، وذكرى، وحكاية سيعودون بها إلى بلادهم. يومها أدركت أن بعض الدول لا تصنع هويتها في المكاتب، بل تتركها تقف في الشارع، تتحدث مع الناس، وتبتسم لهم.
تذكرت ذلك المشهد وأنا أتابع النقاش الدائر حول الباعة الجوالين في بلادنا. والغريب أن معظم الحديث يدور حول المكان الذي يقفون فيه، بينما يغيب الحديث عن القيمة التي يمثلونها. وكأننا ننظر إلى العربة ولا ننظر إلى ما تحمله.
جيل كامل في المنطقة الشرقية لا يحتاج إلى من يشرح له معنى السوق الشعبي. يكفي أن يُذكر اسم سوق الأحد، أو سوق الثلاثاء، أو سوق الخميس، حتى تستيقظ ذاكرة لا علاقة لها بالتجارة وحدها. كانت تلك الأسواق موعدًا يعرفه الجميع. يأتي المزارع بما جادت به أرضه، والصياد بما عاد به من البحر، وصاحب الحرفة بما صنعته يداه، وتخرج الأسر لأنها تعرف أن السوق ليس مكانًا للبيع فقط، بل مساحة تلتقي فيها الحياة.
اليوم تغيّر شكل المدن، وهذا أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي أن نتصور أن كل جديد يجب أن يبتلع ما قبله. المدينة التي تهدم ذاكرتها لتثبت أنها حديثة، تشبه إنسانًا يقطع جذوره ليقنع الناس أنه ينمو.
ولأن الدولة نظمت نشاط الباعة الجوالين، وأوجدت له التراخيص والضوابط، فإن النقاش لم يعد بين مؤيد ومعارض لوجودهم، بل بين من يرى فيهم فرصة، ومن يراهم مجرد مشهد عابر. وأنا أنتمي إلى الفريق الأول.
ليس لأنني أحن إلى الماضي، بل لأنني أؤمن بأن الاقتصاد لا يعيش بالأرقام وحدها، وأن السياحة لا تنجح بالفنادق وحدها، وأن هوية المدن لا تصنعها واجهات الزجاج وحدها.
السائح الذي يصل إلى أي بلد لا يبحث عن مركز تجاري يستطيع أن يجد نسخة منه في بلده، لكنه يبحث عن شيء لا يملكه. يبحث عن رائحة الخبز الذي يخرج من فرن شعبي، وعن بائع يعرف أسماء الزبائن قبل أن يعرف قيمة المبيعات، وعن منتج لا يباع إلا في تلك البقعة من الأرض. تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تتحول لاحقًا إلى صور تتصدر حسابات المسافرين، ثم تتحول إلى دعاية مجانية لا تستطيع أكبر الحملات الإعلانية شراءها.
وفي المقابل، ما زالت هناك قرى وأحياء في بلادنا لا تحيط بها المجمعات التجارية، وما زالت هناك أسر ترى في البائع الجوال خيارًا أقرب وأقل تكلفة، لا لأن الزمن توقف بها، بل لأن احتياجات الناس تختلف، والمدينة الناجحة هي التي تتسع للجميع، لا التي تخاطب شريحة واحدة.
لذلك لا أرى أن المطلوب هو الاكتفاء بإصدار التراخيص، بل أن نذهب إلى خطوة أبعد؛ أن يتحول البائع الجوال إلى جزء من المشهد الحضاري، وأن تشجع المنتجات المحلية، وأن تُمنح كل منطقة فرصة لتقدم نفسها من خلال ما تشتهر به، لا من خلال نسخة مكررة مما يقدمه الآخرون.
نحن نتحدث كثيرًا عن جودة الحياة، وأحد معانيها أن يشعر الإنسان بأن المدينة التي يعيش فيها تشبهه. أن يرى لهجته في السوق، ويجد طعامه الشعبي في الشارع، ويصادف مزارعًا يبيع محصوله، أو أسرة تعرض منتجها، أو صيادًا عاد للتو من البحر. هذه ليست صورًا من الماضي، بل ملامح مجتمع يعرف كيف يحتفظ بنفسه وهو يتغير.
أما المدينة التي تزيل كل ما كان يميزها، ثم تتساءل بعد سنوات لماذا أصبحت بلا شخصية، فهي كمن يمحو ملامحه بيده، ثم يقف أمام المرآة باحثًا عن وجهه.



