لا تتوقف قيمة الابتكار الطبي عند ابتكار علاج جديد، بل قد تبدأ من ملاحظة دقيقة يلتقطها الطبيب أثناء ممارسته اليومية، ثم تتحول هذه الملاحظة إلى فكرة، فحل عملي، ثم إلى اختراع يمكن أن يسهم في تحسين تجربة المرضى وجودة حياتهم.
ومن هذا المنطلق يأتي ابتكار «جهاز تناظر زراعة القوقعة» (Cochlear Implant Symmetry Device)، الذي حصلت عنه د. إسراء علي الجزيري على براءة اختراع رسمية من الهيئة السعودية للملكية الفكرية، ليضيف بعدًا جديدًا إلى جراحات زراعة القوقعة الثنائية.
الحاجة إلى التناظر في الزراعة الثنائية:
مع التطور الكبير في علاج ضعف السمع الشديد، أصبحت زراعة القوقعة في كلتا الأذنين إجراءً علاجيًا مهمًا لدى كثير من المرضى المؤهلين، من الأطفال والبالغين. ومع هذا التطور برزت تفاصيل جراحية تتجاوز نجاح الزراعة وظيفيًا إلى الاهتمام أيضًا بشكل الجهاز وموضعه على جانبي الرأس.
فعند إجراء زراعتين، تبرز الحاجة إلى أن يكون موضع المغناطيسين في الجهتين متناظرًا ومتوازنًا قدر الإمكان؛ لأن الجهاز المزروع ليس مؤقتًا، وإنما يُصمم ليبقى مع المريض سنوات طويلة، وقد يرافقه مدى الحياة.
ومن هنا وُلدت فكرة الاختراع.
ماذا يقدم «جهاز تناظر زراعة القوقعة»؟
يهدف الجهاز إلى مساعدة الجرّاح في تحديد موضع الزرعتين وموازنة مكان المغناطيسين على جانبي الرأس، بحيث يكونان في مستوى متناظر، الأمر الذي يسهم في الوصول إلى نتيجة جمالية أكثر دقة وتناسقًا.
وقد تبدو مسألة التناظر للوهلة الأولى تفصيلًا تجميليًا، لكنها تكتسب أهمية أكبر عند النظر إلى المريض على المدى البعيد. فالطب الحديث لا يكتفي بنجاح العملية من الناحية التقنية، وإنما يهتم كذلك بجودة حياة الإنسان وراحته وتقبله للجهاز ومظهره الخارجي.
فكرة ولدت من الخبرة الجراحية:
القيمة المميزة لهذا الاختراع أنه يعكس العلاقة الوثيقة بين الممارسة السريرية والابتكار. فالطبيب الذي يمارس العمليات بصورة متكررة يستطيع ملاحظة تفاصيل واحتياجات قد لا تظهر للباحث بعيدًا عن غرفة العمليات.
وهكذا تبدأ كثير من الابتكارات الطبية الكبرى: سؤال بسيط يطرحه الطبيب أمام مشكلة متكررة:
هل نستطيع أن نجعل هذا الإجراء أكثر دقة؟
ومن هذا السؤال تبدأ رحلة البحث والتصميم والتجربة والتطوير، وهي رحلة وصفتها د. إسراء بأنها كانت مليئة بالتحديات والعمل الجاد، حتى وصلت الفكرة إلى مرحلة التسجيل الرسمي والحصول على براءة الاختراع.
ابتكار قابل لخدمة المرضى عالميًا:
ولا تنحصر القيمة المحتملة للجهاز في مركز طبي أو منطقة جغرافية محددة؛ فزراعة القوقعة تُجرى في مختلف دول العالم، ومع اتساع استخدام الزراعة الثنائية تزداد الحاجة إلى الأدوات التي تساعد على توحيد الإجراءات وتحسين دقتها.
ولذلك يحمل جهاز تناظر زراعة القوقعة إمكانية أن يكون أداة مساعدة يستفيد منها جرّاحو زراعة القوقعة في تحقيق تناظر أفضل بين الجهتين، بما ينعكس على النتيجة النهائية للمريض.
من ملاحظة جراحية إلى ملكية فكرية سعودية:
إن الوصول إلى براءة الاختراع يمثل تتويجًا لمسار طويل يبدأ بالفكرة ولا ينتهي إلا بعد تحويلها إلى ابتكار محدد المعالم يمكن حمايته وتطويره والاستفادة منه.
وهنا تبرز دلالة أخرى لهذا الإنجاز؛ فهو يؤكد قدرة الكفاءات الطبية السعودية على الانتقال من استخدام التقنيات الطبية المتقدمة إلى المشاركة في تطوير أدواتها وابتكار حلول جديدة لها.
إن حصول د. إسراء علي الجزيري على براءة اختراع «جهاز تناظر زراعة القوقعة» إنجاز يستحق التهنئة والاحتفاء، ليس بوصفه نجاحًا شخصيًا فحسب، وإنما باعتباره نموذجًا لما يمكن أن تصنعه الخبرة السريرية عندما تقترن بالملاحظة والبحث والإصرار على الابتكار.
إسهام بحثي رائد في تطوير تصميم أقطاب القوقعة:
إن د. إسراء الجزيري، مؤسِّسة مركز زراعة القوقعة بالأحساء، تُعد أول سعودية تبتكر مفهومًا جديدًا بالكامل في تصميم أقطاب زراعة القوقعة، وهو مفهوم لم يُطرح من قبل في صناعة الزرعات الإلكترونية السمعية منذ نشأتها.
وينطلق هذا المفهوم من إعادة النظر في الطريقة التقليدية لتوزيع أقطاب زراعة القوقعة، والسعي إلى جعل توزيعها أكثر توافقًا مع التشريح الفعلي للقوقعة والتنظيم الطبيعي للترددات الصوتية داخلها.
ففي دراسة شملت 167 أذنًا مزروعة، أظهرت النتائج أن التباعد المتساوي الحالي بين أقطاب القوقعة لا يؤدي بالضرورة إلى تمثيل نغمي متوازن؛ إذ تتكثف النغمات في المنطقة القِمّية بمعدل 3.0 نصف نغمة/مم، مقابل 2.3 نصف نغمة/مم في المنطقة القاعدية.
ومن هنا جاء الابتكار القائم على حساب رياضي لوغاريتمي يعيد توزيع المسافات بين الأقطاب استنادًا إلى التشريح الفعلي للقوقعة والتوزيع النغمي للغشاء القاعدي وعضو كورتي، بهدف الوصول إلى دقة نغمية أكثر تجانسًا، ومنح مستخدم القوقعة المزروعة تجربة سمعية أقرب إلى الخصائص الطبيعية للسمع.
وبذلك تجمع مسيرة د. إسراء بين ابتكارين متكاملين في الرؤية: الأول يتجه إلى تطوير تصميم أقطاب القوقعة وتحسين جودة التمثيل السمعي، والثاني هو «جهاز تناظر زراعة القوقعة» الذي يهتم بدقة موضع الزرعتين وتحقيق التناظر بينهما، بما يعزز النتيجة الجمالية للمريض.
وهذا الجمع بين الجراحة الدقيقة والبحث العلمي والابتكار الطبي يجعل تجربتها نموذجًا متميزًا للكفاءة السعودية التي لا تكتفي باستخدام التقنيات الطبية الحديثة، وإنما تسعى إلى تطويرها وإضافة مفاهيم جديدة إليها.
إنجاز للأحساء وللوطن:
إن قصة د. إسراء علي الجزيري تعكس صورة جميلة لما يمكن أن تصنعه البيئة الطبية الوطنية حين تتوافر للكفاءة العلمية فرص التدريب والتخصص والبحث والابتكار. فمن الأحساء، ومن داخل مستشفى متخصص، انطلقت تجربة في زراعة القوقعة، ثم تطورت إلى خبرة جراحية وبحث علمي وفكرة ابتكارية انتهت إلى براءة اختراع سعودية لجهاز تناظر زراعة القوقعة.
وهنا تكمن قيمة الإنجاز الحقيقية؛ فالتقدم العلمي لا يقاس فقط بعدد العمليات الناجحة، وإنما كذلك بقدرة الطبيب على أن يسأل: هل يمكن أن نجعل الإجراء أفضل؟ هل يمكن أن يكون الجهاز أدق؟ هل نستطيع أن نمنح المريض نتيجة وظيفية وجمالية أكثر جودة؟
وحين تتحول هذه الأسئلة إلى أبحاث واختراعات، فإننا نكون أمام انتقال من استخدام المعرفة إلى إنتاج المعرفة، ومن تطبيق التقنية إلى الإسهام في تطويرها.
نفخر بما تحققه د. إسراء علي الجزيري من إنجازات جراحية وعلمية وابتكارية، ونبارك لها حصولها على براءة اختراع «جهاز تناظر زراعة القوقعة»، ونتمنى لها المزيد من النجاح والعطاء. ومثل هذه النماذج تؤكد أن وطننا يزخر بكفاءات علمية قادرة على المنافسة والإبداع، وأن الأحساء ليست فقط بيئة تستقبل المنجز الطبي، بل تستطيع أيضًا أن تكون مكانًا تنطلق منه الأفكار والابتكارات إلى آفاق أوسع في المملكة والعالم.



