اطلعتُ بإعجابٍ بالغ على خبر الشقيقين مختار وحسين المؤمن، اللذين قدّما نموذجًا إنسانيًّا عظيمًا في البر والإيثار وصلة الرحم؛ فقد تبرع حسين بإحدى كليتيه لوالدته، بعد خمسة أعوام من تبرع شقيقه الأكبر مختار بإحدى كليتيه لخاله.
إنه موقفٌ إنسانيٌّ بالغ العظمة، تتجاوز دلالته حدود التبرع بعضوٍ من الجسد؛ ليجسّد معنى رفيعًا من معاني الوفاء، ويقدّم شاهدًا حيًّا على أن صلة الرحم ليست كلماتٍ تُقال، ولا مشاعر تُخفى في القلوب، وإنما مواقف عملية تظهر حين تشتد الحاجة ويعظم البلاء.
لقد رأى مختار معاناة خاله مع مرض السكري والفشل الكلوي وجلسات الغسيل المتكررة، فلم يقف متفرجًا، بل اختار أن يمنحه جزءًا من جسده؛ ليمنحه بإذن الله فرصةً جديدة للحياة. وبعد خمسة أعوام، سار حسين على الطريق نفسه، فآثر سلامة والدته وراحتها، واختار أن يخفف عنها آلام المرض بتبرعه بإحدى كليتيه، في صورة مشرقة من صور البر بالوالدين.
وما يزيد موقف حسين جمالًا أنه جاء بعد أيام قليلة من حصوله على درجة الماجستير بتفوق؛ فكأنه جمع في أيامه بين تفوق العلم وسمو الأخلاق، وبين فرحة الإنجاز وشرف التضحية، ليؤكد أن أجمل الشهادات تلك التي تمنحها المواقف، وأن أرفع مراتب النجاح أن يكون الإنسان سببًا في تخفيف ألم إنسان آخر.
إن قصة الشقيقين لا تحكي عن عمليتين جراحيتين فحسب، بل تكشف عن تربية أسرية أصيلة، غرست في نفوس أبنائها أن المحبة مسؤولية، وأن الوفاء تضحية، وأن صلة الرحم تبلغ كمالها حين تتحول من عاطفةٍ إلى عمل، ومن كلماتٍ جميلة إلى بذلٍ حقيقي.
فهنيئًا للأم بابنها البار، وهنيئًا للخال بابن أخته الوفي، وهنيئًا لأسرة المؤمن بهذين النموذجين المشرّفين. ونسأل الله أن يحفظ الشقيقين، ويبارك لهما في صحتهما وأعمارهما، وأن يمنّ على والدتهما وخالهما بالصحة والعافية، وأن يجعل هذا العطاء العظيم في ميزان حسناتهما.
إنهما لم يتبرعا بكليتين فحسب، بل قدّما للمجتمع درسًا خالدًا عنوانه:
حين يصدق الحب، يصبح العطاء جزءًا من الإنسان نفسه.



