يفرض علينا الإسلام أن نحمي أنفسنا، وألا نسمح لأحد أن ينال من كرامتنا أو يمسّنا بأذى، فالإنسان مكرّم عند الله سبحانه وتعالى، وقد وضع القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، موازين دقيقة للتعامل والعلاقات بين الناس، تقوم على الاحترام والرحمة والعدل وحسن الخلق، وحث على التسامح والعفو عند المقدرة، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾
وعن النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«عليكم بالعفو، فإنّ العفو لا يزيد العبد إلا عزّاً، فتعافوا يعزّكم الله» و (روي في الأمالي للطوسي ومصادر أخرى)، ما جاء في خطبته (صلى الله عليه وآله): «ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة: العفو عمّن ظلمك، وتصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك، وإعطاء من حرمك» وقوله (صلى الله عليه وآله): «من عفا عن أخيه المسلم عفا الله عنه» وقوله (صلى الله عليه وآله): «تجاوزوا عن ذنوب الناس يدفع الله عنكم بذلك عذاب النار».
وما جاء من أئمة الهدى عليهم السلام : قال الإمام علي- عليه السلام «العَفْوُ تواجُد المکارم» وقال أيضاً عليه السلام: «العَفْوُ مَعَ الْقُدْرَةِ جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ» وجاء عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إنّا أهل بيت مروّتنا العفو عمّن ظلمنا»، وقال: «اعف عمّن ظلمك كما إنّك تُحبّ أن يُعفى عنك، فاعتبر بعفو الله عنك.
والعلاقات البشرية ليست طريقاً واحداً يسير فيه الجميع بالطريقة نفسها، فلكل إنسان طبيعته وأخلاقه، ولكل علاقة ظروفها ومواقفها، هناك من يدخل حياتنا فيترك فيها أثراً طيباً، وهناك من يكون سبباً في ألم أو تجربة نتعلم منها الكثير.
إن الطيبين يسامحون، ولا يقابلون الإساءة بالإساءة، لأن التسامح من شيم النفوس الكبيرة، ولأن الإنسان المؤمن لا يجعل قلبه مسكناً للحقد والكراهية، ولكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه، هل إذا تكررت الإساءة يكون التسامح دائماً هو الصواب؟ وهل كل صلح يستحق أن نعود إليه؟
إن التسامح لا يعني أن نسمح للآخر بأن يكرر أخطاءه بحقنا، ولا يعني الصلح أن نفتح الباب لمن اعتاد الإساءة دون أن يشعر بالندم أو يقدم اعتذاراً صادقاً أو يسعى إلى إصلاح ما أفسده،
فقد نسامح الإنسان، ولكننا نعيد ترتيب مكانه في حياتنا، وقد نعفو عن الإساءة، ولكننا نتعلم من التجربة، وقد نصالح، ولكن مع المحافظة على حدود تحفظ لنا كرامتنا وراحة نفوسنا، وفي المقابل، نجد من يقول، لا تصالح من أساء إليك أبداً، أبعده عن حياتك فوراً، ونجد من يبالغ أكثر فيقول، لا تصالح ولو قلدوك ذهباً، وبين هذا الرأي وذاك، يبقى الإنسان العاقل بحاجة إلى الحكمة، فلا يكون سريعاً في القطيعة، ولا يكون ضعيفاً أمام من يكرر الإساءة إليه، فليس كل خلاف يستحق القطيعة، كما أن ليس كل اعتذار يستحق العودة إلى العلاقة كما كانت، هناك خلافات سببها سوء فهم، وكلمة عابرة، أو موقف لم يُحسن تفسيره، وهذه تحتاج إلى الحوار والتسامح وإعطاء الفرصة، وهناك إساءات متكررة تصبح عادة وسلوكاً، وهنا يكون الابتعاد أحياناً نوعاً من حماية النفس، وليس كرهاً للآخرين.
إن أجمل العلاقات هي التي تقوم على الاحترام المتبادل، فلا يستغل أحد طيبة الآخر، ولا يجعل من التسامح فرصة لتكرار الخطأ، فالكرامة لا تتعارض مع التسامح، والعفو لا يعني التنازل عن الحقوق، والصلح لا يعني أن ننسى الدروس التي علمتنا إياها الحياة،
وقد يكون من أجمل ما نتعلمه في علاقاتنا البشرية أن نحمل في قلوبنا التسامح، وفي عقولنا الحكمة، وفي تعاملنا الحدود الواضحة،
فلا نحقد على من أساء إلينا، ولا نسمح له في الوقت نفسه بأن يجعل من طيبتنا طريقاً إلى الإساءة المتكررة.
إن العلاقات البشرية تحتاج إلى قلب رحيم، وعقل حكيم، ونفس تعرف متى تقترب، ومتى تسامح، ومتى تعطي فرصة، ومتى يكون الابتعاد هو القرار الأفضل، وفي النهاية، يبقى الإنسان الطيب هو الرابح، ما دام يحفظ كرامته، ويصون قلبه، ويعامل الناس بأخلاقه هو، لا بأخلاقهم فالتسامح قوة، والكرامة عزة، والحكمة أن نعرف كيف نوازن بينهما.



