بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
الصداقة الحقيقية من أجمل ما يرزق الله به الإنسان في هذه الحياة، فليس كل من صافحك صديقاً، وليس كل من ابتسم في وجهك مخلصاً، وليس كل من جلس معك في ساعات الفرح سيبقى إلى جانبك عندما تتغير الأيام وتشتد الظروف.
الصديق الحقيقي هو ذلك الإنسان الذي يعرف قيمة الأخوة، ويحفظ الود، ويصون العِشرة، ولا يجعل الصداقة سلعة تُباع وتُشترى بحسب المصالح والمواقف.
كم هو جميل أن يكون للإنسان صديق مخلص وفيّ، إذا غبت حفظك، وإذا حضرت احترمك، وإذا أخطأت نصحك، وإذا ضاقت بك الدنيا وقف إلى جانبك، وإذا تكلم الناس عنك بسوء دافع عنك، وإذا رأى منك خيراً فرح لك من قلبه، ولم ينظر إلى نجاحك بعين الحسد أو المنافسة.
الصديق الوفي لا يتغير بتغير الظروف، ولا يبيع صاحبه من أجل مصلحة، ولا يتخلى عن أخوته من أجل التقرب إلى الآخرين.
فالصداقة ليست كلمات تُقال، وليست صوراً تجمع الأصدقاء، وليست جلسات وضحكات وأوقاتاً جميلة فقط؛ إنما الصداقة تظهر حقيقتها عند الاختبار.
عندما يقع الخلاف، تظهر الأخلاق.
وعندما تتعارض المصالح، تظهر الوفاء.
وعندما تأتي الفرصة للإنسان ليبيع صديقه، يظهر معدن الرجال.
وما أقسى أن تكتشف بعد سنوات من الأخوة والعِشرة أن إنساناً كنت تظنه أخاً، قد باع كل تلك الأيام في أقرب فرصة، وأنه مستعد لأن يتركك أو يسيء إليك أو ينقل كلامك أو يقف مع أعدائك، فقط ليكسب مكانة عند غيرك أو ليحصل على مصلحة عابرة.
هناك من يأكل معك الخبز والملح، ويعيش معك سنوات طويلة، ويعرف أسرارك، ويعرف طيبتك، ويعرف مواقفك معه، وربما وقفـت إلى جانبه في أيام لم يجد فيها أحداً غيرك، ثم تأتي لحظة يرى فيها مصلحته مع غيرك، فينسى كل شيء!
ينسى الأخوة،
وينسى الصداقة،
وينسى العِشرة،
وينسى المواقف،
بل وينسى الخبز والملح الذي جمعكما.
فيبيع صديقه بأرخص ثمن، ويتقرب إلى الآخرين على حساب إنسان كان يوماً قريباً منه، وربما كان يتحدث معه في كل صغيرة وكبيرة.
وهنا تكون الصدمة!
ليس لأننا نطلب من الناس أن يكونوا ملائكة، فالإنسان يخطئ ويصيب، وقد يحدث بين الأصدقاء خلاف أو سوء فهم، لكن الفرق كبير بين صديق يختلف معك ويبقى محترماً للعِشرة، وبين شخص ينتظر أول فرصة ليطعن فيك ويبيعك ويتقرب إلى غيرك من خلال الإساءة إليك.
الخلاف لا يبرر الخيانة، والاختلاف لا يمحو سنوات الأخوة، وانتهاء العلاقة لا يعطي الإنسان الحق في هتك أسرار من كان يوماً صديقاً له.
الصديق الأصيل إذا افترق عنك، افترق بأخلاقه.
لا يفضحك،
ولا يشوه صورتك،
ولا ينقل أسرارك،
ولا يفرح في مصيبتك،
ولا يذهب إلى أعدائك ليكسب ودهم على حسابك.
لأن الوفاء ليس مرتبطاً ببقاء العلاقة فقط، بل هو أخلاق ومبادئ وتربية وأصل.
ومن المؤلم أن بعض الناس لا يعرف قيمة الإنسان إلا بعد أن يفقده، ولا يعرف قيمة الصديق الوفي إلا بعد أن يحيط نفسه بأشخاص تجمعهم المصالح، فإذا انتهت المصلحة انتهت الابتسامات والصداقات والوعود.
أما الصديق الوفي، فهو عملة نادرة.
قد لا يتفق معك في كل شيء، وقد ينتقدك، وقد يغضب منك، لكنه لا يخونك.
قد يختلف معك، لكنه لا يبيعك.
قد يبتعد فترة، لكنه لا ينكر فضلك.
قد تنقطع العلاقة بينكما، لكنه لا ينسى الخبز والملح ولا الأيام الجميلة والمواقف التي جمعتكما.
وهذه هي الأخلاق التي نحتاج إليها في زمن أصبحت فيه بعض العلاقات مرتبطة بالمصلحة، فإذا جاءت مصلحة أكبر، ترك البعض أصحاب الأمس دون تردد.
فيا من رزقك الله صديقاً مخلصاً وفياً، حافظ عليه.
لا تخسره بسبب كلمة عابرة، ولا تسمح للآخرين بإفساد ما بينكما، ولا تستمع لكل من يريد أن ينقل الكلام ويشعل الفتنة بين الأصدقاء.
ويا من عشت مع إنسان سنوات طويلة، وتشاركتم الفرح والحزن والخبز والملح، فاتقِ الله في العِشرة، فإن الأيام لا تُنسى، والمواقف لا تموت، والإنسان الأصيل لا يبيع من عاش معه أجمل وأصعب مراحل الحياة.
ليس الوفاء أن تبقى مع صديقك عندما تكون الأمور على ما يرام فقط، بل الوفاء أن تحفظ مكانته حتى عندما تتغير الظروف.
وليس الرجولة أن تكسب الآخرين بخسارة صديقك، بل الرجولة أن تحافظ على أخلاقك مع الجميع، فلا تتقرب إلى إنسان بالإساءة إلى إنسان آخر، ولا تبني مكانتك فوق جراح من كانوا يوماً أوفياء لك.
فالصديق الحقيقي نعمة عظيمة، والوفي كنز لا يُقدّر بثمن، ومن وجد صديقاً يحفظه في حضوره وغيابه، ويصون سره، ويحفظ عِشرته، ولا يبيعه مهما تغيرت الظروف، فقد رزقه الله رزقاً عظيماً.
أما من يبيع أصدقاءه عند أول فرصة، ويجعل الأخوة والعِشرة ثمناً للتقرب إلى الآخرين، فليعلم أن من اعتاد على بيع الأوفياء من أجل المصالح، قد يأتي يوم يجد فيه نفسه وحيداً، لأن الناس قد تجتمع حول المصالح، ولكن القلوب لا تمنح الوفاء لمن لا يعرف قيمة الوفاء.
فالأصدقاء الحقيقيون لا تُقاس قيمتهم بعدد السنوات التي عشتها معهم، بل بالمواقف التي أثبتوا فيها أنهم أوفياء.
وما أجمل الصديق الذي تستطيع أن تقول عنه:
اختلفنا، لكننا لم نتخون.
ابتعدنا، لكننا لم ننسَ العِشرة.
تغيرت الظروف، لكننا لم نبع بعضنا البعض.
فالوفاء أخلاق، والأخوة عهد، والصداقة الحقيقية مسؤولية، والخبز والملح بين الناس ليسا مجرد كلمات، بل تاريخ ومواقف يجب أن تُصان.
حافظوا على الأوفياء... فإنهم قليلون، ولا تبيعوا العِشرة مهما تغيرت الظروف، فالأيام تدور، ويبقى الإنسان بأخلاقه ومواقفه ووفائه.



