لم يعد السؤال الأصعب في عصر الإنترنت: كيف نصل إلى المعرفة؟ فقد صارت المعلومات أقرب إلينا من أي وقت مضى. يكفي أن نفتح الهاتف حتى تنهال علينا الأخبار والتحليلات والكتب والدورات والمقاطع والنقاشات. وقد طرقت هذا السؤال في مقالات سابقة، لكنه يعود اليوم بصيغة أكثر حدة: لم تعد المشكلة في الوصول، بل في ما نفعله بما يصل إلينا.
السؤال الأصعب الآن: ماذا نفعل بكل ما يصل إلينا؟ وكيف نميز بين المعرفة التي توسّع وعينا، والمعلومات التي تملأ أذهاننا بالضجيج؟
نستيقظ على الإشعارات، ونتنقل بين مقطع قصير وتعليق عاجل وتحليل طويل، ثم ننام وفي أذهاننا عناوين لم نقرأها تمامًا، وأفكار لم نختبرها، وآراء متعارضة لم نفهمها بما يكفي. نخرج من يوم طويل على الإنترنت محمّلين بالمعلومات، لكننا لا نكون بالضرورة أكثر فهمًا أو قدرة على اتخاذ القرار.
هذه هي التخمة المعرفية: أن يتجاوز تدفق المعلومات قدرتنا على الفرز والفهم والتذكر. وقد أشارت مراجعة علمية إلى أن فرط المعلومات يزداد مع الرقمنة، وأن المشكلة لا تتعلق بالكمية وحدها، بل بسرعة المعلومات وتكرارها وتعقيدها وجودتها أيضًا.
برز مؤخرًا تعبير «تعفّن الدماغ»، وهو ليس تشخيصًا طبيًا، بل تعبير ثقافي ساخر اختارته Oxford Languages كلمة العام في 2024. يشير إلى التدهور العقلي أو الفكري المفترض الناتج عن الإفراط في استهلاك محتوى تافه أو غير متطلب، ولا سيما على الإنترنت. وهو يلتقط تجربة مألوفة: ساعات من التمرير يعقبها شعور بالفراغ والتعب، مع صعوبة في التركيز على كتاب أو محادثة أو مهمة تحتاج إلى وقت.
من احتكار المعرفة إلى إتاحتها
لم تكن المعرفة في المجتمعات القديمة متاحة للجميع بالقدر نفسه. في اليونان القديمة، ارتبط التعليم النظامي غالبًا بالطبقة والمكانة والقدرة على التفرغ. كان أبناء المواطنين الذكور الميسورين أقدر على الوصول إلى التعليم والثقافة، بينما بقيت فئات واسعة، كالنساء والعبيد والمقيمين الأجانب، خارج المجال السياسي والاجتماعي الكامل في أثينا.
كان في ذلك الموقف قدر واضح من الطبقية والاستعلاء؛ فحرمان الناس من التعليم لم يكن دليلًا على عجزهم، بل كان جزءًا من نظام يحدد من يحق له أن يتعلم ويحكم ويتكلم. غير أن ذلك الاحتكار عكس، في الوقت نفسه، تصورًا للمعرفة باعتبارها شأنًا جادًا لا يُنال إلا بإعداد طويل وتهذيب للعقل. لم يكن العلم مجرد معلومات، بل تربية للنفس وتدريبًا على الحوار والبرهان والتمييز بين الظن والمعرفة.
يوضح «الجمهورية» لأفلاطون هذا التصور؛ فالمعرفة عنده شرط للحكم الرشيد، والوصول إليها رحلة طويلة تتطلب تربية وانضباطًا، وإن ظل هذا التصور محكومًا بتراتب اجتماعي يجعل فئة معينة أحق بالقيادة من غيرها.
حين تصبح المعرفة مبذولة أكثر مما ينبغي
أتاحت الثورة الرقمية المعرفة لملايين الناس، وكسرت احتكار المؤسسات والمكتبات والخبراء. وهذه من أعظم مكاسب العصر. لكن الوفرة حملت معها أثرًا جانبيًا: ما يصبح متاحًا بلا عناء قد يفقد، في نظر بعض الناس، شيئًا من قيمته وهيبته.
المشكلة ليست في سهولة الوصول بحد ذاتها، بيد أن هذه سهولة قد توهمنا بأن امتلاك المعرفة سهل بالقدر نفسه. نقرأ عنوانًا فنشعر أننا نعرف الموضوع، ونحفظ اقتباسًا فنظن أننا امتلكنا الفكرة، ونشاهد ملخصًا فنعتقد أننا قطعنا الطريق الذي قطعه الباحث خلال سنوات.
من المعرفة إلى الضجيج
لا تنتشر المعلومات الرقمية لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأنها سريعة وقابلة للمشاركة وقادرة على إثارة الانفعال. وهكذا يتحول الإنسان إلى جزء من آلة توزيعها: يشارك قبل أن يتحقق، ويعلّق قبل أن يفهم، ويكوّن موقفًا قبل أن تكتمل لديه صورة المسألة.
ليست المشكلة في الهاتف وحده. فالأدوات الرقمية وسّعت فرص التعليم وقرّبت المصادر، لكن المنصات صُممت غالبًا لتعظيم مدة بقائنا فيها، لا لتعظيم فهمنا. وهذا ليس عرضًا عارضًا، بل نموذج عمل قائم على اقتصاد الانتباه: حيث يصبح وقت المستخدم هو السلعة الحقيقية، ويصبح المحتوى المثير — لا المحتوى العميق — هو ما يحقق الأرباح. لذلك يحتاج التعامل مع فرط المعلومات إلى وعي فردي، وقواعد مؤسسية، وتصميم تقني أكثر مسؤولية.
إتاحة المعرفة مع حماية جديتها
لا يكمن الحل في العودة إلى احتكار العلم، ولا في الاحتفاء بإتاحته بلا شروط. المطلوب هو إتاحة المعرفة للجميع مع حماية جديتها.
يبدأ ذلك بسؤال واضح قبل البحث، وباختيار مجال أو مشروع يستحق معظم وقتنا. ثم ينبغي أن نمنح كل مادة مخرجًا: خلاصة بلغتنا، أو سؤالًا جديدًا، أو تطبيقًا عمليًا. كما نحتاج إلى فصل أوقات التلقي عن أوقات التفكير، واختبار ما نتعلمه في الواقع، لأن التطبيق يكشف الفرق بين ما نعتقد أننا نفهمه وما نفهمه فعلًا.
في الختام، المعرفة حق عام، لكنها ليست مادة خفيفة. كلفتها الحقيقية هي الانتباه والوقت والجهد والقدرة على مراجعة الذات. وكما كان احتكار المعرفة قديمًا شكلًا من أشكال الاستعلاء، فإن ابتذالها اليوم شكل آخر من أشكال عدم الاحترام.
في زمن الانفجار الرقمي، قد يكون أكثر أفعال التعلم جرأة أن نختار أقل، ونقرأ أبطأ، ونفكر أطول. فالعقل لا يزداد قوة بما يدخله فقط، بل بما يستطيع أن يرفضه ويرتبه ويمنحه الوقت الكافي كي ينضج.




