من نفيس ما رُوي في أدعية ما بعد الصلاة، ما نُقل عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«مَن قال في دُبُر الفريضة: يا مَنْ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ولا يَفْعَلُ ما يَشاءُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، ثلاثًا، ثم سأل، أُعطي ما سأل». [١]
إنها كلمات قليلة، لكنها تحمل معاني واسعة في التوحيد، والتوكل، والافتقار إلى الله، وحسن الظن به.
بعد الصلاة… لحظة لا تنقطع فيها المناجاة:
حين يفرغ المؤمن من صلاته، يكون قد وقف بين يدي الله، وسبّحه وحمده وسجد له. ومن هنا تأتي قيمة التعقيب بعد الفريضة؛ فالدعاء امتداد لذلك الحضور القلبي، وكأن العبد لا يريد أن يغادر محراب الصلاة قبل أن يضع حاجته بين يدي ربّه.
وفي اختيار هذه الكلمات قبل السؤال معنى تربوي جميل: ابدأ بمعرفة مَن تسأل، قبل أن تنشغل بما تسأل.
«يا مَنْ يفعل ما يشاء»:
هذه العبارة تفتح أمام القلب باب القدرة الإلهية المطلقة. فقد تبدو للإنسان بعض مطالبه بعيدة، وتغلق أمامه الأسباب، وتتعقد الظروف، لكنه حين يتوجه إلى الله يدرك أن ما يعجز عنه البشر لا يعجز عنه سبحانه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18].
فالدعاء هنا يعيد ترتيب نظرتنا إلى الأمور: نحن نأخذ بالأسباب ونسعى ونعمل، لكننا لا نجعل الأسباب هي مصدر قدرتنا وأملنا؛ بل نرى أن الأمر كله لله.
«ولا يفعل ما يشاء أحد غيره»:
أما هذه الجملة فتعمّق معنى التوحيد أكثر؛ فالإنسان قد يريد شيئًا ولا يستطيع تحقيقه، وقد يملك القدرة ولكن تحول الظروف بينه وبين ما يريد.
أما الله سبحانه فلا يعجزه شيء، ولا تخرج الأشياء عن سلطانه وإرادته.
وهذا المعنى يحرر القلب من التعلق المفرط بالناس. فالطبيب سبب، والعمل سبب، والمال سبب، والعلاقات أسباب، ولكنها جميعًا لا تستقل بالتأثير عن الله سبحانه.
وهنا يتحول الدعاء من مجرد طلب للحاجة إلى تربية للقلب.
لماذا تسبق هذه الكلماتُ الطلبَ؟
لأن الإنسان حين يستحضر قدرة الله قبل أن يذكر حاجته، يتغير شعوره تجاهها.
بدل أن يقول في داخله: كيف يمكن أن يتحقق هذا؟، يتذكر أولًا عظمة مَن يدعوه.
وبدل أن ينظر إلى ضخامة المشكلة، ينظر إلى سعة القدرة الإلهية.
وهذه من أسرار الدعاء؛ فالدعاء ليس فقط طريقًا للحصول على المطلوب، بل هو أيضًا طريق لإصلاح القلب الذي يطلب.
«ثم سأل»:
بعد أن يكرر المؤمن هذا الذكر ثلاث مرات، تأتي مرحلة السؤال.
يسأل الله حاجته ببساطة وصدق: شفاءً، أو رزقًا، أو صلاحًا للأبناء، أو تفريجًا لكربة، أو توفيقًا في أمر، أو مغفرةً ورضوانًا.
ولكن المؤمن يدعو وهو مؤمن بأن إجابة الدعاء ليست دائمًا بالصورة التي يتخيلها الإنسان؛ فقد تكون المصلحة في تعجيل المطلوب، أو تأخيره، أو صرف بلاء، أو ادخار الثواب. ولذلك يجتمع في قلب الداعي أمران: الإلحاح في الطلب، والتسليم لحكمة الله.
دعاء قصير… ومنهج للحياة:
يمكن أن تتحول هذه الكلمات القليلة إلى قاعدة يعيش بها الإنسان خارج أوقات الصلاة أيضًا:
حين تضيق الأسباب: يا من يفعل ما يشاء.
حين يعجز الناس عن مساعدتك: ولا يفعل ما يشاء أحد غيره.
حين تثقل الحاجة في قلبك: ثم سَلْ ربك.
وحين يتأخر ما تريد: استمر في الدعاء، واعمل بالأسباب، واترك لله اختيار الوقت والطريقة التي تتحقق بها مصلحتك.
الرسالة الذهبية:
ما أجمل أن يعتاد المؤمن بعد فرائضه أن يتوقف لحظات، فلا يقوم مسرعًا من مصلاه، بل يرفع قلبه قبل يديه إلى الله، ويردد:
«يا مَنْ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ولا يَفْعَلُ ما يَشاءُ أَحَدٌ غَيْرُهُ» ثلاث مرات، ثم يسأل حاجته.
فربما كانت هناك أبواب أُغلقت في وجهك، وطرق انقطعت أمامك، وأسباب لم تعد تملك منها شيئًا؛ ولكن يبقى باب لا يُغلق: باب مَن يفعل ما يشاء.
هوامش:
[١] الكافي، ج ٢، الشيخ الكليني، ص ٥٤٩، الدعوات ( سلوة الحزين )، قطب الدين الراوندي، ص ٤٥، عدة الداعي ونجاح الساعي، ابن فهد الحلي، ص ٥٢، الوافي، ج ٨، الفيض الكاشاني، ص ١٨٨، مرآة الكمال لمن رام درك مصالح الأعمال، ج ١، الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )، ص ٤٩٣، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء ( ط . ق )، ج ١، الشيخ جعفر كاشف الغطاء، ص ٢٤٧



