هناك صباحات لا يكون فيها الإنسان نائمًا تمامًا ولا مستيقظًا تمامًا؛ يفتح عينيه، يعرف أن عليه أن ينهض، لكنه يشعر أن جسده لم يقتنع بعد بأن اليوم بدأ، فيمد يده إلى هاتفه ليتأكد من الوقت، ثم يعيده إلى مكانه ويقنع نفسه بأن دقائق أخرى من النوم لن تضر. وفي الغالب لا تكون تلك الدقائق هي المشكلة، وإنما ذلك الشعور الثقيل الذي يجعل أبسط مهمة تبدو وكأنها تحتاج إلى قدر من الطاقة أكبر مما نملكه.
كان ذلك ما حدث له في ذلك الصباح.
استيقظ وفي ذهنه غرض واحد يريد إنجازه، ولم يكن شيئًا يستحق كل هذا التردد، لكنه لم يكن راغبًا في الخروج. ظل قليلًا يفكر في الأمر، ثم قال لنفسه إن أفضل ما يمكن فعله أن يذهب وينتهي ويعود إلى سريره، وكأن اليوم كله يمكن اختصاره في مشوار صغير ثم إغلاق صفحته.
وحين جلس في سيارته، كانت أول ملاحظة انتبه إليها أن مؤشر الوقود لم يكن إلى جواره الكثير. بقيت شرطة واحدة تقريبًا، فقال لنفسه إن المسافة ليست بعيدة، وإنه لن يحتاج إلى التوقف، وإن ما في الخزان يكفيه للوصول وقضاء حاجته والعودة.
تحرك.
لم يكن قد قطع مسافة طويلة حتى بدأ ذلك المؤشر الصغير يستحوذ على جزء من تفكيره. في البداية لم يكن أكثر من نظرة عابرة، ثم صار ينظر إليه كلما توقف عند إشارة، ثم بدأ السؤال الذي لا يلبث أن يكبر في رأس الإنسان عندما يتركه بلا إجابة: ماذا لو لم يكفِ؟
لم يكن يخشى أن تنفد السيارة في مكان بعيد، ولكنه لم يحب فكرة أن يكون في منتصف الطريق ويضطر إلى البحث عن محطة أو أن تتعطل خطته البسيطة التي خرج من أجلها.
دخل أول محطة وقود صادفها.
وفي لحظة قصيرة، اتخذ قرارًا لم يكن في حسابه عندما خرج من المنزل؛ سيملأ الخزان بالكامل، لا لأنه يحتاج إلى ذلك المشوار تحديدًا، وإنما لأنه أراد أن يتخلص من القلق الذي بدأ يرافقه منذ اللحظة التي رأى فيها الشرطة الأخيرة.
وحين امتلأ الخزان، شعر بشيء غريب.
لم يتغير الطريق، ولم تتغير وجهته، ولم يصبح يومه أفضل، لكن المسافة أمامه بدت فجأة أوسع. أصبح يستطيع أن يذهب إلى مكان آخر إذا احتاج، وأن يعود إذا أراد، وأن يتوقف دون أن يظل يفكر في ذلك المؤشر الصغير الذي كان قبل دقائق يحتل مساحة كبيرة من ذهنه.
قضى غرضه.
وكان من المفترض أن يعود إلى البيت، لكنه تذكر في طريقه أمرًا آخر كان يؤجله منذ مدة. قال لنفسه إن الفرصة مناسبة، فهو خارج المنزل والسيارة ممتلئة والوقت لا يزال يسمح، فلماذا لا ينهي الأمر الآخر أيضًا؟
وهكذا بدأ اليوم يتسع من حيث لم يكن يتوقع.
ومن الغريب أن الأيام لا تستنزفنا عادة بسبب الأحداث الكبيرة وحدها؛ كثيرًا ما يكون ما يستهلكنا تلك التفاصيل الصغيرة التي لا نملك وقتًا حتى لنرويها لأحد. كلمة تأتي في غير موضعها، ونبرة لا نفهم سببها، ورسالة تصل في اللحظة الخطأ، وتأخير لا علاقة لنا به، وشخص يحمّلك مسؤولية أمر لم يكن من شأنك، ثم موقف عابر يبقى في رأسك أطول بكثير مما يستحق.
حدث له شيء من ذلك كله في ذلك اليوم.
سمع كلمة لم تعجبه، ومضى.
ثم دخل في نقاش لم يكن يريد دخوله، وانتهى النقاش، لكن شيئًا منه بقي معه.
وفي طريقه إلى المكان التالي، جاءه اتصال أضاف إلى قائمة ما عليه أمرًا لم يكن موجودًا في الصباح، ثم وجد نفسه ينتظر وقتًا أطول مما توقع، وبعدها اكتشف أن هناك أمرًا آخر يحتاج إلى متابعة كان يظن أنه انتهى منه.
لم يكن هناك حدث واحد يمكن أن يقول عنه: «هذا هو الذي أفسد يومي».
كانت المسألة أشبه بتسرب بطيء لا يُلاحظ في بدايته؛ شيء ينقص هنا، وشيء يذهب هناك، حتى يجد الإنسان نفسه في آخر النهار يبحث عن طاقته فلا يعرف أين ذهبت.
وحين عاد إلى سيارته بعد إحدى تلك الوقفات، وقعت عينه على مؤشر الوقود.
كانت الشرطة الأولى قد اختفت.
تذكر صباحه، وتذكر أنه عندما ملأ الخزان لم يكن يتوقع أن يقضي كل هذا الوقت في الخارج. ثم مضى.
وبين محطة وأخرى، وبين غرض وآخر، وبين كلمة وأخرى، أخذ المؤشر ينخفض بهدوء. كلما اختفت شرطة، شعر أن شيئًا من قدرته على الاحتمال يختفي معها، مع أن العلاقة بين الأمرين لم تكن موجودة إلا في ذهنه.
وفي لحظة ما، أدرك أن سيارته لم تعد وحدها التي تحتاج إلى وقود.
هو أيضًا كان يستهلك شيئًا.
كان يستهلك صبره، وهدوءه، ورغبته في الكلام، وقدرته على احتمال التفاصيل، وحتى ذلك الحماس البسيط الذي خرج به من البيت بعد أن أقنع نفسه بصعوبة أن ينهض.
ومع ذلك استمر.
ليس لأنه كان في أفضل حالاته، وإنما لأن الإنسان كثيرًا ما يكتشف أنه قادر على الاستمرار في اللحظة التي يعتقد فيها أنه لم يعد قادرًا على شيء.
أصبح عداد الوقود قريبًا من آخر شرطة، وكانت رغبته في العودة إلى المنزل أكبر من أي وقت مضى. لم يعد يريد إنجاز شيء جديد، ولا مقابلة أحد، ولا الرد على أحد، ولا الدخول في حديث طويل. كان يريد فقط أن يصل.
وعند إشارة مرورية، بينما كانت السيارات أمامه تتحرك ببطء، عاد إلى ذهنه مشهد الصباح.
تذكر أنه لم يكن يريد الخروج أصلًا.
تذكر أنه قال إنه سيقضي غرضًا واحدًا ثم يعود.
ثم بدأ يعد ما فعله منذ خرج.
الغرض الأول أنجزه.
والثاني أنجزه.
والأمر الذي كان يؤجله منذ مدة انتهى.
والاتصال الذي كان يمكن أن يؤجلّه أنجزه.
وساعد شخصًا في أمر لم يكن مضطرًا إلى مساعدته فيه.
وتجاوز موقفًا كان يستطيع أن يجعله سببًا لخلاف طويل.
وأنهى من يومه أشياء لم تكن موجودة أصلًا في قائمته عندما فتح عينيه.
عندها فقط فهم المفارقة التي لم ينتبه إليها طوال الساعات الماضية.
منذ أن خرج، كان ينظر إلى ما ينقصه.
ينظر إلى البنزين الذي ينخفض، والوقت الذي يضيع، والأمور التي ظهرت فجأة، والطاقة التي استهلكها، والأشياء التي لم تسر كما أراد.
لكنه لم ينظر مرة واحدة إلى المسافة التي قطعها.
وهذه، ربما، واحدة من أكثر الطرق قسوة التي نتعامل بها مع أنفسنا.
نحن نراقب ما تبقى فينا أكثر مما نتذكر ما خرج منا، ونحاسب أنفسنا على التعب وكأنه دليل على التقصير، مع أن التعب في كثير من الأحيان ليس إلا الأثر الطبيعي لمحاولة الإنسان أن يؤدي ما عليه.
توقف قليلًا قبل أن يصل إلى منزله، ونظر مرة أخرى إلى مؤشر الوقود الذي لم يبقَ فيه إلا القليل.
هذه المرة لم ينزعج.
قال في نفسه إن السيارة لم تصل إلى هذه النقطة لأنها لم تتحرك، بل لأنها تحركت كثيرًا.
ولعل الإنسان كذلك.
قد يصل إلى آخر طاقته لا لأنه لم يفعل شيئًا، وإنما لأنه فعل الكثير.
وصل إلى البيت، أوقف السيارة، وأطفأ المحرك. بقي للحظات في مقعده، يفكر في ذلك اليوم الذي بدأه وهو يريد العودة إلى النوم، ثم انتهى به الأمر وقد أنجز أكثر مما كان يعتقد.
لم تختفِ الأشياء المزعجة، ولم تصبح الكلمات التي سمعها أجمل، ولم تتحول المواقف التي أرهقته إلى مواقف جيدة، لكنه خرج من يومه بشيء أهم من ذلك كله؛ خرج وهو يعرف أنه استطاع.
وفي اليوم التالي سيحتاج إلى أن يملأ الخزان مرة أخرى، كما يحتاج الإنسان إلى أن يستعيد طاقته، وأن ينام، وأن يبتعد قليلًا عن الضجيج، وأن يمنح نفسه فرصة لاستعادة ما استهلكه الطريق.
لكن قبل أن يفعل ذلك، هناك شيء يستحق أن نفعله جميعًا في نهاية كل يوم.
أن نتذكر.
لا نتذكر فقط ما أخطأنا فيه، ولا ما قيل لنا وأوجعنا، ولا الموعد الذي تأخر، ولا المهمة التي لم تنتهِ، ولا الباب الذي لم يفتح كما أردنا؛ بل نتذكر أيضًا ما فعلناه رغم أننا لم نكن نملك الرغبة، وما أنجزناه رغم ثقل اليوم، وما تجاوزناه دون أن نسمح له بأن يوقفنا.
فالطريق لا يُقاس بما بقي في الخزان، وإنما بما قطعته السيارة.
والإنسان كذلك؛ لا ينبغي أن يقيس نفسه فقط بما بقي لديه من طاقة، بل بما استطاع أن يفعله بما كان لديه منها.
وإذا وصلت ذات مساء إلى آخر شرطة، وشعرت أن يومك أخذ منك أكثر مما أعطاك، فلا تستعجل الحكم على نفسك.
ربما لم يكن يومًا ضائعًا كما تظن.
ربما كنت فقط تمضي في الطريق.
وربما كان كل ما تحتاج إليه قبل أن تنام أن تلتفت قليلًا إلى الخلف، وتكتشف أنك قطعت مسافة طويلة وأنت تظن أنك لم تتحرك.
ثم نم.
فغدًا سيأتي يوم جديد، وسيكون عليك أن تملأ خزانك من جديد، لا لتبدأ من الصفر، وإنما لتكمل من حيث وصلت.





التعليقات 1
1 ping
سهام البوشاجع
2026-09-30 في 7:53 ص[3] رابط التعليق
مقال أقل ما يقال فيه أنه راااائع شكرآ أخي على مداد قلمك