الحوادث المرورية من الوقائع التي قد يتعرض لها أي إنسان، وفي لحظات قليلة قد يجد قائد المركبة نفسه أمام موقف لم يكن في حسبانه، تتداخل فيه حركة المركبات، واختلاف المسارات، والسرعة، والانتباه، وظروف الطريق وقد يحصل حادث مروري لا سمح الله، ثم تبدأ مرحلة تحديد المسؤولية وحفظ حقوق جميع الأطراف، ومن الطبيعي أن تكون الأنظمة المرورية هي المرجع في تنظيم هذه الحالات وتحديد المسؤوليات، وأن تقوم الجهات المختصة بمعاينة الحوادث وإعداد التقارير وفق الإجراءات المعتمدة، وإن الهدف من إتاحة الفرصة بتقديم الاعتراض ضمن مهلة محددة، عن بعض الملابسات، إنما هو التأكيد على أهمية الوصول إلى الحقيقة الكاملة للحادث، من أجل العدالة وإعادة النظر لتُدرس الواقعة بكل عناصرها وهو أمر متاح ومشروع لجميع الأطراف، فقد يكون على سبيل المثال، أحد أطراف الحادث في وضع الرجوع إلى الخلف، والقاعدة أن عليه اتخاذ أقصى درجات الحيطة والتأكد من خلو المسار قبل الرجوع، وهذا أمر لا خلاف عليه، لكن قد تقع في المقابل ظروف أخرى تستحق الدراسة، كأن تأتي مركبة أخرى من منعطف، أو تسير بسرعة لا تتناسب مع ظروف الطريق، أو وقوف لسيارة بالجوار مخالفة تعيق الحركة والرؤية للطرفين أو أحدهم، أو يحدث انحراف مفاجئ في المسار، أو تتداخل حركة المركبتين بطريقة تجعل تحديد سبب الاصطدام بحاجة إلى مزيد من التحقق، وهنا تبرز أهمية المعاينة الدقيقة،
فالحادث المروري ليس مجرد لحظة اصطدام، وإنما له ما يسبقه وما ينتج عنه، فموقع المركبات، واتجاه الحركة، ونقطة الاصطدام، وآثار الأضرار، والصور الملتقطة في موقع الحادث، وتسجيلات كاميرات المراقبة – متى كانت متاحة – كلها قد تشكل قرائن تساعد على تكوين صورة أكثر وضوحًا عن كيفية وقوع الحادث، وقد تكون هناك أضرار أو آثار في إحدى المركبات تعود إلى حادث سابق، وهنا تزداد أهمية التمييز بين الضرر القديم والضرر الناتج عن الحادث الجديد، حتى لا يتحمل أحد طرفي الحادث أضرارًا لم يكن سببًا فيها، ومن هنا فإن التحقق من الأدلة لا يحمي الطرف المتضرر فقط، بل يحمي أيضًا الطرف الذي قد تُنسب إليه المسؤولية، ويحمي شركات التأمين، ويحفظ حقوق جميع الأطراف، ويعزز الثقة في إجراءات التعامل مع الحوادث.
الاحتيال .. حين تتحول الحادثة إلى وسيلة للكسب، هنا تأتي المشكلة، لا تكمن دائمًا في وقوع الحادث، وإنما قد تبدأ – في بعض الحالات – من محاولة استغلاله لتحقيق منفعة لا يستحقها صاحبها،
وقد يتصور بعض ضعفاء النفوس أن الحادث فرصة للحصول على تعويض، فيحاول تحميل الطرف الآخر أضرارًا سابقة، أو المبالغة في وصف الضرر، أو تقديم صورة غير مكتملة عن الواقعة، وإذا ثبت تعمد مثل هذه التصرفات، فإن الأمر يتجاوز مجرد الخلاف في تقدير المسؤولية، ليصبح سلوكًا يتعارض مع الأمانة والصدق، فضلًا عما قد يترتب عليه من مسؤولية وفق الأنظمة ذات العلاقة، والأخطر أن الإنسان قد ينسى أن المال الذي يحصل عليه بغير حق لا يتحول إلى مال حلال لمجرد أنه جاء في صورة تعويض.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾
[البقرة: 188]
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
[النساء: 58]
فالأمانة لا تكون في الأموال فقط، وإنما تكون أيضًا في قول الحقيقة ووصف الواقعة كما حدثت، وعدم إخفاء ما يؤثر في الحكم عليها.
إن المطالبة بالتحقق والتدقيق في بعض الحوادث لا تعني التشكيك في عمل الجهات المختصة، ولا تعني أن كل حادث يحتاج إلى إجراءات استثنائية، وإنما المقصود أن لكل حادث ظروفه وملابساته، فالحوادث الواضحة التي لا خلاف فيها قد تكون إجراءاتها يسيرة، أما الحالات التي تتعارض فيها أقوال الأطراف، أو تظهر فيها أضرار سابقة، أو لا تتطابق فيها آثار الاصطدام مع الروايات المقدمة، فقد يكون من المفيد – وفق ما تسمح به الإجراءات – الاستفادة من جميع القرائن المتاحة،
والصور التي تلتقط في موقع الحادث، وتسجيلات الكاميرات، وآثار الاصطدام، ومواقع المركبات، وغيرها من الأدلة، أصبحت اليوم وسائل مهمة تساعد على فهم ما حدث، وتدعم الوصول إلى نتيجة أكثر دقة، وهذا لا يحمي طرفًا على حساب طرف آخر، بل يحمي الجميع،
المسؤولية المشتركة في حفظ الحقوق.
إن مسؤولية تحقيق العدالة في الحوادث المرورية لا تقع على جهة واحدة فقط، فهناك مسؤولية على قائد المركبة في القيادة الآمنة، ومسؤولية على أطراف الحادث في نقل الحقيقة كما وقعت، ومسؤولية على الجهات المختصة في دراسة ما يقدم إليها من معلومات وقرائن وفق الأنظمة والإجراءات، ومسؤولية على شركات التأمين في التحقق من المطالبات.
وعندما تتكامل هذه المسؤوليات، تقل فرص الخطأ والتحايل، وتصبح الحقوق أكثر حفظًا،
ولعل أهم ما ينبغي أن نرسخه في ثقافتنا المرورية أن التعويض ليس غاية في ذاته، وإنما هو حق مقابل ضرر ثابت ومستحق، أما أن يتحول الحادث إلى وسيلة للكسب بغير حق، فذلك يضر بالفرد والمجتمع، ويضعف الثقة، ويحمّل الآخرين ما لم يرتكبوه.
وليعلم الجميع أننا نعيش في زمن تتوافر فيه وسائل التوثيق بصورة واسعة، ولذلك فإن الاستفادة منها، مع الالتزام بالأنظمة والإجراءات المعتمدة، يمكن أن تسهم في كشف الحقيقة وحماية الحقوق، كما أن من حق أي طرف يرى أن هناك ملابسات أو معلومات تستحق إعادة النظر أن يتقدم باعتراضه وفق القنوات والإجراءات المعتمدة، لتُدرس الواقعة وما يقدم بشأنها من قرائن وأدلة من قبل الجهات المختصة، بما يعزز العدالة ويحفظ حقوق جميع الأطراف، ويحد من أي محاولة للتلاعب أو تضليل الحقيقة.
وفي النهاية، قد يقع الخطأ من أي إنسان، وقد يقع الحادث في لحظة عابرة، لكن ما ينبغي ألا يغيب عنا هو أن الصدق بعد الحادث لا يقل أهمية عن الحذر قبله، فكما نطالب كل قائد مركبة بالانتباه والحيطة، علينا أن نطالب أنفسنا أيضًا بالأمانة عند وقوع الحادث، فلا نحمّل غيرنا ما لم يرتكبه، ولا نطالب بتعويض عن ضرر لا يستحق التعويض، ولا نسعى إلى تحويل حادث عابر إلى وسيلة للحصول على مال بغير حق،
الحقيقة أمانة، والحقوق أمانة، والتعويض حق لا يستقيم إلا إذا قام على ضرر ثابت ومسؤولية واضحة، وبالوعي، والأمانة، والدقة في التوثيق، والالتزام بالأنظمة، نستطيع أن نجعل التعامل مع الحوادث المرورية أكثر عدلًا وإنصافًا، وأن نحفظ حق المتضرر، وننصف من لم يكن مسؤولًا، ونغلق الطريق أمام كل محاولة للتحايل أو استغلال الحوادث لتحقيق مكاسب غير مشروعة.



