بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
ليست أخطر آفات الإنسان تلك التي تظهر على جوارحه، بل تلك التي تستقر في أعماق نفسه، وتجعله يرى أعماله أكبر من حقيقتها، ويعتقد أن ما يقدمه من عبادة وطاعة يمنحه منزلة لا يبلغها غيره. ومن أخطر هذه الآفات العُجب بالنفس؛ فهو مرض خفي يتسلل إلى القلب دون أن يشعر صاحبه، حتى يحوّل الطاعة من طريق للتواضع والقرب من الله إلى باب للغرور والاستعلاء على الآخرين.
ولنتأمل عظمة التواضع في كلمات الإمام زين العابدين (عليه السلام)، حين يقول: «سبحانك ما عبدناك حق عبادتك»، وفي مناجاته التي تعبّر عن عمق الخشية والشعور بالتقصير أمام عظمة الله، حتى يقول: «ثم لم أرفع طرفاً إلى آفاق السماء استحياءً منك ما استوجبت محو سيئة واحدة».
إنها كلمات تهز أعماق الإنسان، وتضعه أمام حقيقة مهمة: مهما بلغ في عبادته، ومهما أكثر من الصلاة والصيام والدعاء، فلا ينبغي أن يسمح لنفسه بأن تنظر إلى أعمالها بعين الإعجاب، أو أن تتعامل معها وكأنها شهادة تفوق على بقية الناس.
وهذه الرسالة أوجهها إلى من أعرف من الشيوخ والحجاج، وإلى من لا أعرف من هؤلاء وغيرهم ممن أصابهم العُجب، وأخذتهم الثقة المفرطة بطهارة أثوابهم وأبدانهم، وكثرة صلواتهم وصيامهم، حتى أصبح بعضهم ينظر إلى الآخرين من موقع التفوق، وكأن العبادة منحتهم حق الحكم على ضمائر الناس ومراتبهم عند الله.
إن الطاعة الحقيقية لا تصنع إنساناً متكبراً، ولا تمنحه شعوراً بأنه أفضل من الآخرين، بل تجعله أكثر رحمة وتواضعاً ومحاسبة لنفسه. فكلما ازداد الإنسان معرفة بالله، ازداد إدراكاً لضعفه وحاجته إلى رحمته، وكلما اتسعت عبادته، وجب أن يتسع معها تواضعه وخوفه من التقصير.
إن العُجب سيئة تشوّه وجه الحسنات، وتسلب الأعمال جمالها وبهاءها؛ فالإنسان قد يؤدي العبادة بجوارحه، لكنه يفسد أثرها في قلبه حين ينسب الفضل إلى نفسه، وينسى أن التوفيق للطاعة نعمة من الله قبل أن يكون عملاً من الإنسان.
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «سيئة تسوق خيراً من حسنة تعجبك». وفي ذلك تنبيه عميق إلى أن الذنب الذي يوقظ في الإنسان الندم والانكسار قد يكون سبباً في توبته ورجوعه إلى الله، بينما الحسنة التي تورثه الغرور قد تحجبه عن رؤية عيوب نفسه.
كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «وإن الذنب خير من العُجب». وليس المقصود تفضيل المعصية على الطاعة، وإنما بيان خطورة العُجب؛ فالمذنب الذي يعترف بخطئه قد يندم ويستغفر ويتوب، أما المعجب بنفسه فيرى أنه على خير، فلا يشعر بحاجته إلى مراجعة ذاته أو إصلاح أخطائه.
إنه أشبه بمريض يرفض الاعتراف بمرضه، لأنه يعتقد أنه صحيح معافى؛ فكيف يُرجى شفاؤه وهو لا يرى حاجته إلى العلاج؟
وهنا تكمن خطورة العُجب: أنه يغلق أبواب المراجعة، ويعطّل محاسبة النفس، ويجعل الإنسان منشغلاً برؤية حسناته بدلاً من اكتشاف عيوبه. وقد يصل به الأمر إلى احتقار من يختلف عنه، أو التقليل من شأن من لا يظهرون عبادتهم أمام الناس، ناسياً أن حقيقة الإنسان لا تُقاس بالمظاهر، وأن القلوب ومراتب الإخلاص أمور لا يعلمها إلا الله.
فلا تغتر بكثرة صلاتك، ولا بصيامك، ولا بما تحمله من ألقاب دينية أو اجتماعية، ولا تجعل ماضيك في العبادة مبرراً للنظر إلى الآخرين باستعلاء. فكم من إنسان لا تعرف له مظهراً من مظاهر الصلاح، وهو عند الله أرفع منزلة ممن يكثر الحديث عن أعماله!
ولنتذكر دائماً أن العبادة ليست سباقاً لإثبات أننا أفضل من غيرنا، بل رحلة مستمرة لتطهير نفوسنا وإصلاح أخلاقنا والارتقاء بإنسانيتنا.
فمن أراد أن يعرف أثر عبادته، فلينظر إلى أخلاقه مع الناس، وإلى مقدار رحمته بالضعيف، وتواضعه أمام الآخرين، وقدرته على الاعتراف بخطئه. فليست العبرة بكثرة ما نؤديه من أعمال فحسب، وإنما بما تتركه تلك الأعمال في نفوسنا من صلاح وتقوى وتواضع.
إن أخطر ما قد يصيب العابد أن يخرج من عبادته معجباً بنفسه، بدلاً من أن يخرج منها أكثر خوفاً من التقصير، وأشد حرصاً على إصلاح قلبه.
فلنحذر من عبادة تُورثنا الغرور، ومن طاعة تجعلنا نرى عيوب الآخرين ونغفل عن عيوبنا؛ فالتواضع تاج العبادة، ومحاسبة النفس طريق النجاة، والعُجب بداية السقوط، حتى وإن ارتدى صاحبه ثوب الصلاح.



