في زمن تتسارع فيه مؤشرات الجفاف وتشتدّ فيه اضطرابات المناخ، تخرج من المملكة العربية السعودية فكرةٌ وُلدت من رحم الصحراء لتعيد الأمل إلى الحياة. إنها «نظرية كلاودير للبراهيم – نظام الاستمطار المستدام» (Cloudier’s theory of Al.Ibrahim – sustainable rainmaking system) للباحث والمخترع السعودي عبدالله البراهيم من محافظة الاحساء. مشروع نموذجي–علمي يوازن بين العقل والإيمان، وبين التقنية والطبيعة، ليقدّم نموذجًا سعوديًا في تقنيات (الهندسة المناخية المستدامة) يُعيد للأرض سحاباتها، وللإنسان ثقته بأن العلم إذا خدم الحياة تحول مطرًا.
من النظرية إلى المنظومة: الشمس تصنع المطر
تقوم الفكرة الجوهرية لنظام كلاودير على مبدأ فيزيائي رصين، يتمثل في تحويل الطاقة الشمسية إلى تيارات حرارية رطبة صاعدة، تحاكي آلية عمل الجبال الطبيعية في تكوين السحب. ففي المناطق الصحراوية، يحدث تبخر هائل للرطوبة من السواحل يومياً، لكنها تبقى حبيسة الطبقات الجوية السفلى بسبب الضغط الجوي المرتفع وغياب التيارات الهوائية الرأسية التي تدفع بها إلى الأعلى حيث تبرد وتتكاثف.
هنا يأتي دور “كلاودير” كـ “جبل حراري افتراضي” (Virtual Thermal Mountain)، يعمل على تذليل هذه العقبة الطبيعية. من خلال منظومة أرضية تعمل بالطاقة الشمسية، يتم توليد بخار مائي دافئ وتوجيهه صعوداً بشكل متحكم به عبر برج حراري مصمم هندسياً. مع صعود هذا العمود الاسترطابي، تبدأ درجة حرارته في الانخفاض تدريجياً في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، لتتهيأ الظروف المثلى للتكاثف الطبيعي وتشكل السحب المحلية، التي يمكن أن تتحول إلى هطول مطري خلال فترة وجيزة.
جوهر النظرية: رسالة وفلسفة وكشف اسرار الطبيعة
جوهر الرسالة في «كلاودير» أن المطر لا يُصنع قسرًا، بل تُهيّأ أسبابه الطبيعية في المكان والزمان المناسبين. فالابتكار لا يَعِد بـ «برمجة المطر»، وإنما يقدّم أدوات علمية لإعادة تفعيل ما اختلّ من ديناميكيات الحرارة والرطوبة والتيارات الصاعدة في البيئات الحارة الرطبة؛ حيث تتكاثر الرياح الأفقية وتضعف الرفعات العمودية اللازمة لبدء التكاثف. المقاربة هنا مسانِدة لا مُصادِمة للطبيعة، بل تستند إلى مبادئ فيزيائية مستقرة مع منظومات قياس وتحكم ذكية تضبط الأداء ضمن حدود السلامة البيئية.
يؤكد البراهيم فلسفيا أن المقصود هو «إعادة وصل ما انقطع بين الشمس والهواء والماء»، ويضيف: «نحن لا ننافس الطبيعة ولا نزعم التحكم بها، بل نهيئ الظروف التي تساعدها على أن تمطر من جديد متى توفرت عواملها». وتجمع رسالة «كلاودير» بين حسٍّ إنساني يسعى لتخفيف معاناة المجتمعات الجافة، ومنهجٍ علمي مفتوح للتطوير والاختبار والشراكات الأكاديمية.
روح كلاودير: انسجام مع الإيمان والعلم
يربط البراهيم مشروعه بفلسفة إنسانية وإيمانية متوازنة. فهو يرى أن المطر بيد الله، لكن «الفهم منحة منه لمن يتفكر في خلقه». ويستشهد بقول الله تعالى: «وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون»، وهنا الإنسان مأمورٌ بالتفكر والأخذ بالأسباب، مؤكدا أن المشروع لا يتعارض مع الثوابت الدينية وليس تجاوزًا لقدرة الخالق، بل توظيفٌ لسننه الكونية بعقلٍ متأملٍ وبحثٍ علميٍّ متزن.
من هذا المنطلق، يُقدّم «كلاودير» نموذجًا سعوديًا يجمع بين روح الإيمان وعقل الابتكار، بحيث يصبح العلم وسيلة لعمارة الأرض لا لمقارعة الطبيعة.
التميز والتفرّد: لماذا “كلاودير” مختلف؟
يتميز النظام بعدة نقاط قوة تجعله فريداً على الساحة العالمية:
· الاستدامة الكاملة: يعمل النظام بالكامل بالطاقة الشمسية، مما يمنحه بصمة كربونية شبه صفرية، ويتوافق مع أهداف مبادرة “السعودية الخضراء” و”الحياد الصفري”.
· الأمان البيئي: لا يستخدم النظام أي مواد كيميائية ضارة، معتمداً في التلقيح على مواد طبيعية مثل الرذاذ الملحي الدقيق أو الغبار الطبيعي.
· الجدوى الاقتصادية: تكاليف إنشاء وتشغيل النظام منخفضة جداً مقارنة بمشاريع الاستمطار التقليدية أو تحلية المياه، مما يجعله حلاً مثالياً للدول الفقيرة والمناطق النائية.
· المرونة والذكاء: يمكن التحكم في النظام آلياً عبر حساسات ذكية تراقب الظروف الجوية، وتضبط عمل المراوح ومعدلات التبخير لتحقيق افضل كفاءة.
· التناغم مع الطبيعة: لا يقاوم النظام قوانين الطبيعة، بل يعمل على تفعيلها وتسريعها، فهو “يمهد الطريق” للمطر لا “يصنعه قسراً”.
أثر متعدد الأبعاد: مناخياً، اقتصادياً، اجتماعياً
يقدم نظام كلاودير مجموعة واسعة من المكاسب البيئية، الاقتصادية، والاجتماعية، ليكون حلًا متكاملًا لمشكلة الجفاف التي تهدد أكثر من 40% من سكان العالم:
· مناخياً وبيئياً: يتوقع أن يسهم النظام في خفض درجات الحرارة السطحية محلياً بمقدار ملحوظ، وزيادة الرطوبة النسبية، وتعزيز الغطاء النباتي، والحد من العواصف الترابية، وتحسين جودة الهواء.
· اقتصادياً: يدعم النظام الأمن المائي والغذائي، ويفتح آفاقاً جديدة للزراعة في المناطق القاحلة، ويخلق فرص عمل في مجالات التشغيل والصيانة والرصد، كما يمكن أن يصبح مقصداً للسياحة البيئية والعلمية.
· اجتماعياً ونفسياً: للمطر أثر نفسي بالغ على المجتمعات، فهو يبعث الأمل والطمأنينة ويحسن جودة الحياة، خاصة في المناطق التي عانت لسنوات من قسوة الجفاف.
الحوكمة والضمانات
انطلاق أي مبادرةٍ من هذا النوع يستلزم حوكمةً بيئية–علمية صارمة:
بروتوكولات قياس وتقييم مشتركة مع جهات الأرصاد والجامعات، تشمل رصد الحرارة والرطوبة والسحب والهطول مقارنةً بمناطق ضبط مماثلة.
حدود تشغيل آمنة لسرعات التدفق واتساقها مع المعايير المعتمدة، مع أنظمة إيقاف تلقائي عند أي اضطرابٍ غير اعتيادي.
تكامل مع التشريعات الوطنية والدولية للطيران والبيئة، وضمان الشفافية في مشاركة البيانات والنتائج.
عدم الإفصاح عن التفاصيل التصميمية الحساسة إلى حين استكمال إجراءات الحماية الفكرية والتجارب الرسمية، مع الإبقاء على جوهر الفكرة متاحًا للنقاش العلمي الرصين.
منظومة تعاون علمي وطني
يدعو المشروع إلى إقامة شراكات وطنية بين الهيئات والجامعات السعودية في مجالات البيئة والطاقة والمناخ، لتطوير الأبحاث التجريبية والرصد الجوي والمحاكاة الرقمية. كما يُقترح إنشاء «مركز سعودي للهندسة المناخية المستدامة» كمظلة للابتكار، يربط بين القطاعين العام والخاص ويشجع على تدريب الكفاءات المحلية في هذا المجال الناشئ عالميًا.
هذه الدعوة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن التحديات المناخية المتصاعدة تتطلب حلولاً سعودية المنشأ، مبنية على البحث والابتكار والتكامل بين المؤسسات.
من النظرية الى التطبيق
تطبيق نظام «كلاودير» محليًا يعني الانتقال من التنظير إلى الفعل، وتحوّل المملكة إلى منصة علمية مفتوحة لحلول التبريد والاستمطار الطبيعي ما يمنح المملكة موقع الريادة في مجال الهندسة المناخية النظيفة. وسيمثل ذلك اختبارًا عمليًا لأطروحة سعودية فريدة يمكن أن تغيّر مفهوم التعامل مع المناخ في البيئات الحارة. فبدلاً من انتظار الأمطار الموسمية الشحيحة، يمكن تهيئة أسبابها طبيعيًا وفق القوانين الفيزيائية، ما يجعل كلاودير أداة مساعدة للطبيعة لا متحكمة بها.
يقترح المشروع خارطة طريق من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى – إثبات المفهوم (6–9 أشهر): اختيار موقعٍ تجريبي في نطاقٍ ساحلي داخلي، مزوّدٍ بمحطة رصدٍ ميتيورولوجي، وتوقيع شراكاتٍ بحثية للتوثيق العلمي المُحكّم.
المرحلة الثانية – التوسّع المرحلي (12–18 شهرًا): نشر عنقود وحداتٍ على قوسٍ ساحلي داخلي مع امتداداتٍ داخلية، والتكامل مع بيانات الأقمار الصناعية والنمذجة العددية.
المرحلة الثالثة – الاعتماد والتوسيع: تأسيس مركز سعودي للهندسة المناخية المستدامة لتوحيد المعايير وأدلة التشغيل وتدريب الكفاءات الوطنية، ثم نقل المعرفة إقليميًا ودوليًا عبر اتفاقات تعاون.
مواقع وتطبيقات مقترحة
توصي الرؤية العلمية للنموذج المبتكر بأن ينطلق التطبيق عبر حزامٍ ساحلي داخلي يستثمر الرطوبة البحرية نسبيًا على مسافة مدروسة من الساحل، ثم يمتد تدريجيًا نحو الداخل عبر مواقع مرحلية تُشكّل «ممر رطوبة» يعمّق أثر التبريد والهطول. وفي المملكة تبرز الأحساء كبيئة نموذجية لالتقاء الصحراء بالرطوبة الساحلية، والعُلا كمختبر طبيعي في وادٍ جبلي، ونيوم ضمن منظومة المدن الذكية، ومكة والمشاعر المقدسة للمساهمة في تلطيف الأجواء خلال مواسم الذروة. وعلى الصعيد الإنساني، يمتد الأثر إلى الدول الفقيرة والمناطق الجافة في إفريقيا وآسيا الوسطى، حيث الحاجة ماسّة لحلولٍ منخفضة الكلفة.
أسئلة مشروعة… وإجابات واضحة
• هل النظام آمن؟ تُدار السرعات والتدفقات ضمن حدود صارمة مع أنظمة إيقاف تلقائي عند أي اضطراب غير طبيعي.
• هل يستهلك ماءً كثيرًا؟ يعتمد على تبخير متجدد ومنخفض نسبيًا، مع خيارات تغذية من البحر أو آبار محلية.
• هل يسبّب عواصف؟ قطعيًا لا؛ المنظومة تولّد تيارات صاعدة متزنة بعيدة عن ديناميكيات الأعاصير.
• هل يزيد النظام حرارة الجو؟ العكس، إذ يبرد السطح عبر السُحب العاكسة والأمطار وتبخر الحرارة الزائدة.
• كيف يعمل النظام في الليل بعد غياب الشمس؟ النظام مصمم للتشغيل الليلي عبر منظومة تخزين حراري وكهربائي.
• هل ينافس الاستمطار الجوي؟ بل يكمله عبر تحسين شروط السُحب ورفع جدوى أي تلقيح لاحق.
كلمة أخيرة
لا يقدّم «كلاودير للبراهيم» «زرًّا سحريًا» للمطر، ولا يَعد بما يتجاوز سنن الكون وقوانينه. إنّه اتجاه سعودي للهندسة المناخية المستدامة يَجمع بين المعرفة العلمية والاعتبارات الأخلاقية والبيئية، ويحوّل الطاقة الشمسية إلى مدخلٍ لإحياء المطر في الصحارى بطرقٍ نظيفة ومسؤولة. وبين طموحٍ علمي منضبط دام سنوات من البحث والدراسة ورؤيةٍ وطنية متطلعة، يطرح «كلاودير» سؤالًا عمليًا للمؤسسات: كيف نحوّل هذا الأمل العلمي إلى برنامجٍ بحثي–تطبيقي يقوده الوطن ويستفيد منه العالم؟



