في 22 فبراير، لا تستعيد المملكة مجرد تاريخٍ مدوَّن، بل تُعيد قراءة لحظة التحول الأولى التي غيّرت مسار الجزيرة العربية، حين وُضِع حجر الأساس لدولةٍ لم تُبنَ على المصادفة، بل على رؤية، وحزم، وقدرة نادرة على توحيد الإنسان قبل المكان.
يوم التأسيس ليس احتفالًا رمزيًا بقدر ما هو استدعاء ذكي لبداية مشروع سياسي واجتماعي استمر 113 عامًا من التراكم، منذ عام 1727م، عندما انطلقت الدولة السعودية الأولى من الدرعية، لتؤسس مفهومًا جديدًا للدولة في محيط مضطرب: دولة تستند إلى الاستقرار، والهوية، والعدل، قبل النفط والاقتصاد والجغرافيا.
الأرقام هنا لا تُستخدم للزينة، بل للشهادة على التحول. من رقعة محدودة المساحة والنفوذ، إلى دولة تُصنَّف اليوم ضمن أكبر 20 اقتصادًا في العالم، وتدير شؤون أكثر من 36 مليون نسمة، وتمتلك واحدًا من أكثر المجتمعات الشابة حيوية، حيث يشكّل الشباب ما يزيد على 60٪ من السكان. هذه القفزات لم تكن ممكنة لولا أن الجذور كانت عميقة، وأن التأسيس لم يكن هشًّا أو مؤقتًا.
يوم التأسيس يختلف عن يوم التوحيد؛ فهو لا يحتفي بالنتيجة، بل بالبداية. لا يصف اكتمال الدولة، بل لحظة الإيمان الأولى بها. لحظة كان القرار فيها مخاطرة، لكن الرهان كان على الإنسان، وعلى وحدة القيم، وعلى فكرة الدولة المستقرة في زمن الفوضى.
اللافت أن المملكة، وهي تحتفي بيوم تأسيسها اليوم، لا تنظر إلى الماضي بوصفه عبئًا، بل كمنصة انطلاق. فالموروث السياسي والاجتماعي الذي بدأ قبل أكثر من قرن أصبح اليوم وقودًا لرؤية مستقبلية طموحة، تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين التاريخ والتنمية.
إن يوم التأسيس ليس يومًا للحنين، بل يومًا للفهم: فهم كيف بدأت الحكاية، ولماذا استمرت، وكيف تحولت من فكرة محلية إلى دولة ذات ثقل إقليمي ودولي، تحجز لنفسها موقعًا فاعلًا في معادلات السياسة والاقتصاد والثقافة.
وفي هذه المناسبة الوطنية العزيزة، تتقدّم إدارة صحيفة أصداء الديرة بأسمى آيات التهاني والتبريكات إلى قيادة المملكة العربية السعودية الرشيدة، وإلى الشعب السعودي الكريم، سائلين الله أن يديم على هذا الوطن أمنه واستقراره، وأن يواصل مسيرته بثبات نحو مستقبل يليق بتاريخٍ بدأ قبل 113 عامًا… وما زال يكتب فصوله بثقة.



