ليلة النصف من شعبان ليست ليلة طقوسٍ عابرة أو أعمالٍ شكلية تؤدّى ثم تُنسى، بل هي محطةٌ روحية كبرى يُراد للإنسان فيها أن يعيد ترتيب قلبه، ويجدد صلته بربه، ويهيّئ نفسه لاستقبال شهر رمضان بقلبٍ أنقى وروحٍ أصفى. ومن هنا جاءت أدعيتها جامعةً شاملة، لا تقف عند حدود الطلبات الجزئية، بل تؤسس لرؤيةٍ متكاملة للحياة كلها.
دعاء ليلة النصف من شعبان: مدرسةٌ تربويةٌ متكاملة في بناء القلب والروح والحياة
ومن أسمى ما يُتلى في هذه الليلة الدعاء المأثور عن النبي محمد بن عبد الله - صلى الله عليه و آله - الذي كان يدعو به في هذه الليلة وفي سائر أوقاته، وهو دعاء يجمع بين إصلاح الداخل، وصيانة الظاهر، واستقامة الدين، وتوازن الدنيا، حتى يمكن اعتباره برنامجًا تربويًا كاملًا لا مجرد كلمات.
"اللهُمَّ اقسِم لَنا مِن خَشيَتِكَ ما يحَوُلُ بَينَنا وَبَينَ مَعصيَتِكَ وَمِن طاعَتِكَ ماتُبَلِّغُنا بِهِ رِضوانَكَ وَمِنَ اليَقينِ مايَهونُ عَلَينا بِهِ مُصيباتُ الدُّنيا ، اللهُمَّ أمتِعنا بِأسماعِنا وَأبصارِنا وَقوَّتِنا ما أحيَيتَنا وَاجعَلهُ الوارِثَ مِنَّا وَاجعَل ثأرَنا عَلى مَن ظَلَمَنا وَانصُرنا عَلى مَن عادانا وَلا تَجعَل مُصيبَتَنا في دينِنا، وَلا تُسَلِّط عَلَينا مَن لا يَرحَمُنا بِرَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ. " (١)
يفتتح الدعاء بطلبٍ عجيب في دقته وعمقه، إذ لا يبدأ بالمطالب الدنيوية ولا بالحاجات العاجلة، بل يتجه مباشرةً إلى القلب:
" اللهُمَّ اقسِم لَنا مِن خَشيَتِكَ ما يحَوُلُ بَينَنا وَبَينَ مَعصيَتِكَ وَمِن طاعَتِكَ ماتُبَلِّغُنا بِهِ رِضوانَكَ وَمِنَ اليَقينِ مايَهونُ عَلَينا بِهِ مُصيباتُ الدُّنيا."
فكأن الدعاء يقول إن أصل المشكلة ليس في الخارج بل في الداخل، وإن صلاح القلب هو الأساس الذي تُبنى عليه بقية الحياة. فالخشية هنا ليست خوفًا عابرًا، بل وعيٌ دائم بعظمة الله يردع النفس عن الخطأ قبل الوقوع فيه. والطاعة ليست مجرد أفعال، بل طريقٌ إلى رضوان الله، وهو الغاية الكبرى التي يسعى إليها المؤمن. أما اليقين فهو النور الذي يخفف آلام الحياة، لأن من أيقن بحكمة الله هانت عليه المصائب، ولم تعد الدنيا تثقل قلبه كما كانت.
ثم ينتقل الدعاء إلى نعمة الصحة والعافية: "اللهُمَّ أمتِعنا بِأسماعِنا وَأبصارِنا وَقوَّتِنا ما أحيَيتَنا."
في إشارة إلى أن الدين لا يهمل الجسد ولا يعادي الحياة، بل يرى في الحواس والقوة وسائل للطاعة وعمارة الأرض. فالمؤمن لا يطلب الزهد الذي يميت الحياة، بل العافية التي تعينه على العبادة والعمل والخير.
ويأتي بعد ذلك جانب العدالة والكرامة: "وَاجعَل ثأرَنا عَلى مَن ظَلَمَنا وَانصُرنا عَلى مَن عادانا"
وهنا تتجلى روح الإسلام المتوازنة، فلا استسلام للظلم ولا عدوان على الآخرين، بل طلبٌ للحق ونصرةٌ للعدل. فالمؤمن ليس ضعيفًا مهانًا، ولا ظالمًا متجبرًا، بل صاحب حقٍّ يقف في وجه الباطل دون تجاوز.
ثم يبلغ الدعاء ذروته التربوية في عبارة تعد من أعظم ما يُطلب في الحياة: "وَلا تَجعَل مُصيبَتَنا في دينِنا "
فكل مصيبة يمكن احتمالها إلا ضياع الدين. فقد المال يُعوّض، والمرض يُشفى، والحزن يزول، أما إذا فسد القلب أو ضاع الإيمان فهي الخسارة الحقيقية. لذلك يعلّمنا الدعاء أن نخاف على ديننا أكثر مما نخاف على دنيا الناس.
ويستكمل هذا المعنى بقوله: "وَلا تَجعَل الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا وَلا مَبلَغَ عِلمِنا."
فالدنيا ليست مذمومة لذاتها، لكنها تتحول إلى مشكلة حين تصبح الغاية القصوى، وحين ينحصر تفكير الإنسان فيها وحدها. فالمؤمن يعيش في الدنيا، لكنه لا يعيش لها، ويعمل فيها، لكنه لا ينسى الآخرة.
ثم يختم الدعاء بطلب الأمان الاجتماعي: "وَلا تُسَلِّط عَلَينا مَن لا يَرحَمُنا ك."
وهو بعدٌ إنساني عميق يدل على أن الدين لا ينفصل عن واقع الناس، بل يهتم بعدل المجتمع وكرامة الإنسان، ويطلب حياة يسودها الرحمة لا القهر.
إن المتأمل في هذا الدعاء يدرك أنه ليس مجموعة طلبات متفرقة، بل منظومة متكاملة تبني الإنسان من الداخل إلى الخارج. فهو يبدأ بالقلب ثم ينتقل إلى السلوك ثم إلى المجتمع ثم إلى مصير الإنسان كله. لذلك وصفه العلماء بأنه من الدعوات الجامعات الكاملات، لأنه يجمع خير الدنيا والآخرة في كلمات قليلة.
وهكذا تصبح ليلة النصف من شعبان فرصةً لأن نعيش مع معاني هذا الدعاء لا أن نردده بألسنتنا فقط. أن نسأل أنفسنا هل في قلوبنا خشية حقيقية، وهل طاعتنا تقودنا إلى الرضا، وهل يقيننا يخفف مصائبنا، وهل الدنيا أخذت أكبر من حجمها في نفوسنا.
فمن دعا بهذا الدعاء بوعيٍ وصدق، خرج من ليلته بقلبٍ أصلح، وروحٍ أقرب، وطريقٍ أوضح نحو الله. وهذه هي الغاية الحقيقية من الدعاء ومن هذه الليلة المباركة.
(١) مفاتيح الجنان للعلامة القمي



