من أعمال الليلة الاولى من شهر رمضان كما ذكر العلامة القمي في مفاتيح الجنان:
أن يرفع يديه إذا فرغ من صلاة المغرب ويدعو بهذا الدّعاء المروي في (الاقبال) عن الإمام الجواد (عليه السلام) :
"اللَّهُمَّ يا مَن يَملِكُ التَّدبيرَ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، يا مَن يَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وَما تُخفي الصُّدورُ وَتُجِنُّ الضَّميرُ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ، اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن نَوى فَعَمِلَ وَلا تَجعَلنا مِمَّن شَقيَ فَكَسِلَ وَلا مِمَّن هُوَ عَلى غَيرِ عَمَلٍ يَتَّكِلُ، اللَّهُمَّ صَحِّح أبدانَنا مِنَ العِلَلِ وَأعِنَّا عَلى ما افتَرَضتَ عَلَينا مِنَ العَمَلِ حَتَّى يَنقَضيَ عَنَّا شَهرُكَ هذا وَقَد أدَّينا مَفروضَكَ فيهِ عَلَينا، اللَّهُمَّ أعِنَّا عَلى صيامِهِ وَوَفِّقنا لِقيامِهِ وَنَشِّطنا فيهِ لِلصَّلاةِ وَلا تَحجُبنا مِنَ القِراءَةِ وَسَهِّل لَنا فيهِ إيتاءَ الزَّكاةِ، اللَّهُمَّ لا تُسَلِّط عَلَينا وَصَبَاً وَلا تَعَبَاً وَلا سَقَماً وَلا عَطَباً، اللَّهُمَّ ارزُقنا الإفطارَ مِن رِزقِكَ الحَلالِ، اللَّهُمَّ سَهِّل لَنا فيهِ ما قَسَمتَهُ مِن رِزقِكَ وَيَسِّر ما قَدَّرتَهُ مِن أمرِكَ وَاجعَلهُ حَلالاً طَيِّباً نَقيا مِن الآثامِ خالِصاً مِنَ الآصارِ وَالإجرامِ اللَّهُمَّ لا تُطعِمنا إلاّ طَيِّباً غَيرَ خَبيثٍ وَلا حَرامٍ وَاجعَل رِزقَكَ لَنا حَلالاً لايَشوبُهُ دَنَسٌ وَلا أَسْقامٌ.
يا مَن عِلمُهُ بِالسِّرِّ كَعِلمِهِ بِالإعلانِ يا مُتَفَضِّلاً عَلى عِبادِهِ بِالإحسانِ يا مَن هُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَبِكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ خَبيرٌ ألهِمنا ذِكرَكَ وَجَنِّبنا عُسرَكَ وَأنِلنا يُسرَكَ وَاهدِنا لِلرَّشادِ وَوَفِّقنا لِلسَّدادِ وَاعصِمنا مِنَ البَلايا وَصُنّا مِنَ الأوزارِ وَالخطايا، يا مَن لا يَغفِرُ عَظيمَ الذُّنوبِ غَيرُهُ وَلا يَكشِفُ السّوءَ إلاّ هُوَ يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ وَأكرَمَ الأكرَمينَ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَأهلِ بَيتِهِ الطَّيِّبينَ وَاجعَل صيامَنا مَقبولاً وَبِالبِرِّ وَالتَّقوى مَوصولاً وَكذلِكَ فَاجعَل سَعيَنا مَشكوراً وَقيامَنا مَبروراً وَقُرآنَنا مَرفوعاً وَدُعاءَنا مَسموعاً وَاهدِنا لِلحُسنى وَجَنِّبنا العُسرى وَيَسِّرنا لِليُسرى وَأعلِ لَنا الدَّرَجاتِ وَضاعِف لَنا الحَسَناتِ وَاقبَل مِنِّا الصَّومَ وَالصَّلاةَ وَاسمَع مِنَّا الدَّعَواتِ وَاغفِر لَنا الخَطيئاتِ وَتَجاوَز عَنَّا السَّيِّئاتِ، وَاجعَلنا مِنَ العامِلينَ الفائِزينَ وَلا تَجعَلنا مِنَ المَغضوبِ عَلَيهِم وَلا الضَّآلّينَ حَتّى يَنقَضي شَهرُ رَمَضانَ عَنَّا وَقَد قَبِلتَ فيهِ صيامَنا وَقيامَنا وَزَكَّيتَ فيهِ أعمالَنا وَغَفرتَ فيهِ ذُنوبَنا وَأجزَلتَ فيهِ مِن كُلِّ خَيرٍ نَصيبَنا، فَإنَّكَ الإلهُ المُجيبُ وَالرَّبُّ القَريبُ وَأنتَ بِكُلِ شَيءٍ مُحيطٌ."
افتتاح الموسم العبادي الأعظم… فلسفة العبور من العادة إلى العبادة
في الليلة الأولى من شهر رمضان، وبين صلاتي المغرب والعشاء، يقف المؤمن على عتبة زمن مختلف. ليست هي لحظة عابرة في تقويم الأيام، بل انتقال من زمنٍ اعتيادي إلى زمنٍ مشحون بالمعنى. في هذا الموضع يذكر العلامة عباس القمي في مفاتيح الجنان الدعاء المروي في الإقبال بالأعمال الحسنة عن الإمام محمد الجواد (عليه السلام)، ليكون أول ما يُفتتح به هذا الموسم العبادي الأعظم. ومن يتأمل ألفاظ الدعاء يدرك أنه ليس كلمات تقال، بل مشروع روحي متكامل يرسم معالم الشهر من بدايته حتى ختامه.
يبدأ الدعاء بإقرارٍ عقدي عميق: «اللهم يا من يملك التدبير وهو على كل شيء قدير…». هنا يعاد ترتيب العلاقة بين العبد وربه. فدخول رمضان لا يكون بمزاج إنساني أو تخطيط شخصي فحسب، بل باعترافٍ أن التدبير كله بيد الله. الإنسان بطبعه يميل إلى الشعور بالتحكم، يضع الخطط ويحدّد الأهداف، لكن هذا الاستهلال يعيده إلى أصل العبودية: أنت مدعوّ إلى هذا الشهر، لا مالكٌ له. ومن أدرك أن التدبير لله، تحرّر من القلق، لأن القلق ثمرة توهّم الاستقلال، أما من سلّم الأمر لمالكه دخل الموسم بقلب مطمئن.
ثم ينتقل الدعاء إلى محور العمل حين يقول: «اجعلنا ممن نوى فعمل، ولا تجعلنا ممن شقي فكسل، ولا ممن هو على غير عمل يتكل». هنا تتجلّى فلسفة النيّة الفاعلة. فليست النية وحدها كافية، ولا العمل بلا إخلاص كافيًا، ولا التواكل مقبولًا. كأن الدعاء يفرّق بين ثلاثة أصناف: من يترجم قصده إلى سعي، ومن يملك الرغبة لكن يعيقه الكسل، ومن يختبئ خلف الأماني دون حركة. ورمضان، في ضوء هذا المعنى، ليس موسم أمنيات بل موسم تحويل الرغبات إلى أفعال. إنه شهر الإرادة العملية، لا مجرد المشاعر العابرة.
ولا يغفل الدعاء عن البعد الجسدي حين يطلب: «صحّح أبداننا من العلل وأعنّا على ما افترضت علينا من العمل». في هذا الطلب توازن دقيق بين الروح والجسد. فالجسد ليس خصم الروح، بل أداتها. صحة البدن ليست مطلبًا دنيويًا فحسب، بل شرطٌ للوفاء بالتكليف. فالصيام يحتاج قوة، والقيام يحتاج طاقة، والقراءة تحتاج صفاءً. إن الروحانية الحقيقية لا تعني إهمال الجسد، بل توظيفه في طاعة الله.
ثم يتكرر في الدعاء طلب الرزق الحلال الطيب، الخالي من الدنس والآثام. وهنا يلتقي الصوم بمصدر القوت. فالصوم امتناع عن الطعام في النهار، لكن طهارة الطعام أصلٌ في قبوله. كأن الدعاء يربط بين ظاهر العبادة وباطنها؛ فكما يُطهَّر الفم بالصيام، يجب أن تُطهَّر اللقمة بمصدرها. إن الرزق الحلال ليس تفصيلًا جانبيًا، بل هو جزء من البناء الروحي للشهر، لأن الجسد يتغذى بما يأكل، والروح تتأثر بما يدخل إلى الجسد.
ويتدرج الدعاء بعد ذلك إلى طلب الإلهام واليسر والهداية: «ألهمنا ذكرك… وأنلنا يسرك… واهدنا للرشد… ووفقنا للسداد». هنا يظهر أن النجاح في رمضان ليس ثمرة جهدٍ بشري صرف، بل نتيجة توفيق إلهي. فالمؤمن لا يطلب مضاعفة قوته فحسب، بل يطلب فتحًا من الله ييسّر له الطريق. إن الذكر زاد القلب، والهداية بوصلة المسير، واليسر لطفٌ يخفف مشقة الطريق. وبدون هذا اللطف قد يتحول الموسم إلى تعب جسدي بلا أثر روحي.
ويبلغ الدعاء ذروته بطلب القبول: أن يكون الصيام مقبولًا، والسعي مشكورًا، والقيام مبرورًا، والقرآن مرفوعًا، والدعاء مسموعًا. هنا تتجلى غاية العبادة. فالعمل قد يتحقق، لكن القبول فضل. الإنسان يؤدي، لكن الله هو الذي يزكّي ويضاعف ويثيب. لذلك لا يكتفي الدعاء بكثرة الأعمال، بل يطلب أن تنال هذه الأعمال رضا الله. فالقيمة ليست في الكمّ، بل في أثر العمل عند الله.
ويختم الدعاء بنظرة مستقبلية: «حتى ينقضي شهر رمضان عنا وقد قبلت فيه صيامنا وقيامنا…». هذه العبارة تكشف أن رمضان رحلة لها بداية ونهاية، وليست أيامًا متكررة بلا هدف. فالمؤمن لا يريد أن يمرّ الشهر عليه مرورًا عابرًا، بل يريد أن يخرج منه وقد تبدّل حاله، وغُفرت ذنوبه، وارتفعت درجاته. إن الموسم العبادي في حقيقته مشروع تحوّل، لا عادة زمنية.
وهكذا يظهر أن دعاء الليلة الأولى ليس افتتاحًا شكليًا للشهر، بل إعلان نية شاملة لمسار كامل: تسليم التدبير لله، وتحويل النية إلى عمل، والعناية بالصحة، وتطهير الرزق، وطلب التوفيق، والتطلع إلى القبول. إنه خريطة روحية ترسم ملامح الثلاثين يومًا منذ لحظتها الأولى.
فمن رفع يديه بين العشاءين في تلك الليلة، لم يكن يفتتح شهرًا فحسب، بل كان يفتتح صفحة جديدة من نفسه. ورمضان، في ضوء هذا الدعاء، ليس زمنًا نعيشه، بل زمنٌ يعيد صياغتنا.



