بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
النقد في أصله سلوكٌ راقٍ، به تُقوَّم الأخطاء، وتُهذَّب التصرفات، وتُبنى الشخصيات. لكنه حين يتحول إلى نقدٍ لاذعٍ جارح يفقد روحه الإصلاحية، ويصبح أداة هدمٍ نفسيٍّ لا بناء فكر، وسهمًا يصيب القلب قبل أن يُصلح الخطأ.
أولاً: الفرق بين النقد البنّاء والنقد اللاذع
النقد البنّاء:
يركّز على الفعل لا على الشخص، يقصد الإصلاح، ويُقدَّم بلطفٍ وأدب، ويُشعر المتلقي أن الناقد يقف إلى جانبه لا في مواجهته.
النقد اللاذع:
يركّز على الشخص لا على الخطأ، يُشعره بالنقص، ويُقال بأسلوبٍ قاسٍ يحمل التوبيخ أو السخرية أو التقليل من الشأن، فيتحول من نصيحةٍ إلى إهانة، ومن توجيهٍ إلى تجريح.
وقد وجّهنا الله تعالى إلى رعاية مشاعر الآخرين وعدم جرحهم، فقال سبحانه:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)
فالكلمة الحسنة ليست ترفًا أخلاقيًا، بل تكليفٌ إيمانيٌّ ومسؤوليةٌ شرعية.
ثانياً: الأثر النفسي للنقد الجارح
1- تحطيم الثقة بالنفس
تكرار العبارات السلبية يولّد شعورًا بالعجز والدونية، خصوصًا عند الأطفال والناشئة، فتضعف المبادرة ويذبل الطموح.
2- الانكماش الاجتماعي
قد يدفع النقد القاسي الإنسان إلى الانسحاب من المجالس، أو التردد في إبداء رأيه، خوفًا من الإحراج أو السخرية.
3- تراكم الضغوط النفسية
الكلمات الجارحة لا تُنسى بسهولة؛ قد تبقى في الذاكرة سنوات، وتتحول إلى جروحٍ خفية تؤثر في المزاج والسلوك.
4- ردود الفعل العدوانية
أحيانًا لا يُنتج النقد اللاذع إصلاحًا، بل يُولّد عنادًا أو خصومةً أو قطيعة، فيخسر الناقد والمُنقَد معًا.
ثالثاً: منهج أهل البيت عليهم السلام في النقد
كان منهجهم قائمًا على الرحمة والرفق، لأن الغاية إصلاح القلوب لا كسرها.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، ولا نُزع من شيءٍ إلا شانه».
فالرفق زينةُ الكلمة، والحكمة روحُ النصيحة.
وكانوا عليهم السلام يوجّهون المخطئ بأسلوبٍ لطيف، وأحيانًا بعباراتٍ عامةٍ غير مباشرة، صونًا لكرامته، وتعليمًا له دون أن يُشعره بالإهانة. وهكذا يكون الإصلاح الحقيقي.
رابعاً: كيف نمارس النقد دون أن نجرح؟
اختر الوقت المناسب بعيدًا عن أعين الناس.
انتقد الفعل لا الشخص.
ابدأ بالإيجابيات قبل ذكر الملاحظات.
اجعل هدفك الإصلاح لا الانتصار للنفس.
اختم بكلمة دعمٍ وتشجيع تُعيد الثقة.
كلمة أخيرة
إن الكلمة قد ترفع إنسانًا إلى القمة، وقد تهوي به إلى الحزن.
والنقد اللاذع ربما يُسكت صاحبه لحظة، لكنه يُوجع قلبه طويلًا.
فلنُحاسب كلماتنا قبل أن تخرج، ولنجعلها جسورًا لا سيوفًا، نورًا لا نارًا.
فكم من نفسٍ انكسرت بكلمة، وكم من نفسٍ نهضت بكلمة.
نسأل الله أن يجعل ألسنتنا مفاتيح خير، مغاليق شر، وأن يرزقنا حُسن القول ولين الجانب.
والحمد لله رب العالمين.



