في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك، تتجدد في قلوب المؤمنين ذكرى عطرة، ذكرى مولد سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، الإمام الحسن بن علي عليه السلام، أول سبطٍ لرسول الرحمة صلى الله عليه وآله، وريحانته التي كان يحملها بين يديه ويقول: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة».
إنها ليلةٌ يلتقي فيها التاريخ بالعاطفة، والعقيدة بالفرح، فتنبض المجالس بذكره، وتُضاء البيوت سرورًا، وتُستحضر سيرة إمامٍ جمع بين الشرف النبوي، والتربية العلوية، والطهر الفاطمي.
مولد النور في بيت الرسالة
وُلد الإمام الحسن عليه السلام في السنة الثالثة للهجرة في المدينة المنورة، فاستقبله جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله بفرحةٍ عظيمة، وأذّن في أذنه، وحنّكه بريقه الشريف، ليكون مولده امتدادًا لنور النبوة في بيتٍ أذهب الله عنه الرجس وطهّره تطهيرًا.
نشأ الإمام الحسن عليه السلام في أحضان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وتربّى في مدرسة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، فكان مثالًا للطهر، والعلم، والحلم، والوقار. وقد شهد له القريب والبعيد بأنه أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله خَلقًا وخُلقًا وهيبةً وسكينة.
قريقعان… فرحٌ متجذّر في الوجدان
تأتي مناسبة قريقعان تعبيرًا عن هذا الفرح الروحي، حيث يخرج الأطفال بملابسهم التراثية، مردّدين الأهازيج الشعبية، وتُوزّع الحلوى ابتهاجًا بذكرى مولده المبارك. غير أن هذه المظاهر، على جمالها، ليست سوى قشرةٍ لجوهرٍ أعمق؛ جوهر الارتباط بأهل البيت عليهم السلام، واستحضار قيمهم في الحياة اليومية.
فالحلوى التي تُوزَّع هي رمزٌ لحلاوة أخلاقه، والأهازيج التي تُنشَد هي صدى لمحبةٍ راسخةٍ في القلوب، والفرح الجماعي هو إعلان ولاءٍ متجدد لمدرسةٍ قامت على الرحمة والإصلاح.
كريم أهل البيت… مدرسة العطاء
لُقّب الإمام الحسن عليه السلام بـ“كريم أهل البيت”، ولم يكن اللقب مجاملةً أو مبالغة، بل حقيقةً عاشها الناس في زمانه. كان إذا قصده محتاج أعطاه، وإذا سأله سائل أغناه، حتى قيل إنه قاسم الله ماله ثلاث مرات، وواسَى الفقراء حتى صار مضرب المثل في الجود والسخاء.
لكن كرمه لم يكن ماديًا فحسب، بل كان كرم أخلاقٍ وروح. كان يحلم على من أساء إليه، ويعفو عمّن ظلمه، ويقابل الجفاء بالإحسان. رُوي أن رجلًا شاميًا شتمه يومًا، فابتسم في وجهه وقال: «أظنّك غريبًا، فإن احتجت إلى مالٍ أعطيناك، وإن أردت منزلاً آويناك». فتحوّل العداء إلى محبة، والبغضاء إلى ولاء.
موقف الإصلاح وحقن الدماء
ومن أعظم مواقفه في التاريخ الإسلامي صلحه الذي حقن به دماء المسلمين، مقدّمًا مصلحة الأمة على كل اعتبارٍ شخصي. لقد أثبت الإمام الحسن عليه السلام أن الإمامة ليست صراعًا على سلطة، بل مسؤولية إصلاحٍ وحفظٍ لوحدة الأمة. كان قراره درسًا خالدًا في الحكمة وبعد النظر، ومثالًا على التضحية من أجل الإسلام.
بين المظهر والجوهر
إن قريقعان، وهو مناسبة فرحٍ عزيزة، ينبغي ألا يبقى في حدود العادة الاجتماعية، بل يتحوّل إلى فرصةٍ تربوية وثقافية، نُعرّف فيها أبناءنا بسيرة الإمام الحسن عليه السلام، ونحدّثهم عن كرمه، وحلمه، وصبره، وإصلاحه.
فالاحتفال الحقيقي هو أن نُحيي قيمه في بيوتنا؛ أن نُعلّم أبناءنا العطاء، وأن نُربيهم على العفو، وأن نغرس في قلوبهم حب أهل البيت عليهم السلام بوصفه منهج حياة، لا مجرد عاطفة موسمية.
رسالة إلى المجتمع
نحن أحوج ما نكون اليوم إلى أخلاق الإمام الحسن عليه السلام؛ إلى لغة التهدئة بدل التصعيد، وإلى العفو بدل الانتقام، وإلى الكرم بدل الأنانية. فلو تحولت ذكرى مولده إلى سلوكٍ يوميٍّ في معاملاتنا، لأثمرت مجتمعًا أكثر رحمةً وتماسكًا.
فلنجعل من ليلة الخامس عشر من رمضان محطةً لتجديد العهد مع نهج أهل البيت عليهم السلام، ولنربط الفرح بالاقتداء، والذكرى بالعمل، والاحتفال بالإصلاح.
نسأل الله أن يرزقنا شفاعته، وأن يجعلنا من المتمسكين بولايته، وأن يعيد هذه المناسبة المباركة على الأمة الإسلامية بالأمن والإيمان، والسلامة والإحسان.



