قال تعالى : { قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا }{ مريم الآية ٤ } .
من تلك النماذج القرآنية الرائعة التي ترسم معالم علاقة الإنسان بربه يقينا و جزما و ثقة بتدبيره و تصريفه لشئون الكون و العباد هو دعاء نبي الله زكريا (ع) ، فالدعاء في حقيقته يقين بالقدرة الإلهية على تصريف الأقدار بمقتضى المصلحة و المشيئة الإلهية مخترقة عامل الزمان و المكان و الأسباب الظاهرية ( نظام العلة و المعلول ) ، إذ أن الحوائج و المطالب قد تحول دون تحققها العوامل الظاهرية المانعة ، و لكن هذا لا يعني انقطاع الرجاء من قلب المؤمن و تزعزع ثقته بالله تعالى في تكوين ما فيه المصلحة ، كما في قصة نبي الله زكريا (ع) حيث كانت زوجته تعاني من ظرف صحي يمنع من الإنجاب و هو العقم مع ظهور علامات كبر السن عليه (ع) حيث عبّر عن ضعفه البدني بوهن العظام ، و مع ذلك يظهر في أفق النفس المطمئنة نسق الرجاء و الثقة دون أن يفصل بينهما تردّد أو تهيّب ، فكون زوجته (ع) عاقرا يعبّر عن واقع الحياة البشرية و ما تواجهه من موانع تحول دون تحقيق الرغبات ، و لكن نافذة الأمل لا تُغلق في قلوب أيقنت بالقدرة الإلهية على كل شيء حتى دون المرور بنظام الأسباب الظاهرية ، و هذا ما دعا النبي زكريا (ع) إلى أن لا يتوقف عن التوجه إلى الله تعالى و الدعاء و طلب الذرية الصالحة ، و انظر إلى دقة التعبير و البلاغة القرآنية عندما تقترن الفاء بالطلب ( فهب ) ، أي المحرك في هذا الدعاء هو اليقين و الثقة الراسخة و المتجذرة في النفس بالقدرة الإلهية ، و هو ما يؤسس لمظهر التوحيد في الدعاء من خلال بيان عدم حاكمية الأسباب الظاهرية و ضرورة تحكمها في مسار النتائج و الآثار ، فالأمور تسير وفق نظام الحكمة الإلهية و الأسباب مجرد عوامل تحقق لا أكثر ، فالعقم - مثلا - في نظر بعض البشر نهاية العالم و محطّ حلول اليأس و النظرة السوداوية للحياة و انقلاب المشهد نحو التشاؤم ، و أما في منطق الإيمان و التعلّق بالقدرة الإلهية فهو يعني حلول ظرف من الظروف التي يمكن أن تزول و تتبدّل وفق الإرادة الإلهية ؛ لتظهر لنا حقيقة توحيدية جلية تعكس فهما و إدراكا للقدرة الإلهية ، حيث يتحوّل الدعاء في مضامينه من مجرد حركة لسان إلى فعل معرفي يحمل معاني الثقة و التعلق بالتقدير الإلهي مهما كانت حركته نحو التحقق أو الامتناع .
و كان طلب نبي الله زكريا (ع) نوعا من طلب عطية خاصة تتبلور و تظهر عن طريق غير طبيعي ، عطاء لا يتحقق بالأسباب العادية المعروفة بل هو استثناء يبزغ من الخزائن الإلهية ، و لم يكن طلب نبي الله زكريا (ع) الذرية الصالحة إلا بالنظر إلى أداء الوظيفة الرسالية و القيام بوظيفة الهداية و يحمل امتداد النبوة في بني إسرائيل ، و هو ما يكشف أن طلب الولد مرتبط بمشروع إلهي في عمارة الأرض و بسط التوحيد و العدالة مما يزيده إخلاصا و قبولا .
و يذيّل نبي الله زكريا (ع) دعاءه باستحضار تاريخ العناية الإلهية الممتد بطول حياته و في جميع تفاصيلها و لحظاتها و يجعل منه دليلا على حسن الظن بالله تعالى و الثقة بتدبيره ، ( وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ) ، فالدعاء هنا استمرار لعلاقة قائمة على التجربة و اليقين حيث لم يذق (ع) الشقاء في دعائه لربّه من قبل أبدا .



