مقال مترجم
تلعب الميكروبات المعوية (الميكروبيوم) دورًا مهمًا في العديد من جوانب الصحة، بدءًا من الهضم ووظائف المناعة، وصولًا إلى التوازن الأيضي والعمليات العصبية.
وقد ارتبطت عدة أمراض بتغيرات في تركيبة الميكروبيوم، منها أمراض الأمعاء الالتهابية وسرطان القولون والمستقيم والسمنة واضطرابات الصحة النفسية. ومع تزايد الأدلة على العلاقة بين ميكروبات الأمعاء والأمراض، بدأ العلماء ينظرون الآن إلى العلاقة الناشئة بين الأمعاء والقلب.
لا تزال أمراض القلب السبب الرئيسي للوفاة عالميًا. ومن المعروف أن عوامل مثل التدخين وارتفاع ضغط الدم والسمنة والسكري تزيد من خطر الإصابة بها. لكن الباحثين يكتشفون بشكل متزايد أن توازن الميكروبات في الأمعاء قد يؤثر في كيفية تطور هذه المخاطر، وكيف تتقدم أمراض القلب.
وقد أصبح هذا الارتباط الذي تم التعرف عليه حديثًا، ويُسمّى محور الأمعاء–القلب، يحظى باهتمام متزايد في السنوات الأخيرة. وقد يساعد في تفسير سبب الارتباط الوثيق بين النظام الغذائي وأمراض القلب.
وتُظهر دراسات واسعة أن الأشخاص المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية يمتلكون تركيبة مختلفة من ميكروبات الأمعاء مقارنة بالأشخاص الأصحاء.
وعلى الرغم من عدم اكتشاف “ميكروب واحد” مسؤول عن أمراض القلب، فإن المرض يرتبط باستمرار بعدة عوامل أساسية، منها: انخفاض التنوع الميكروبي، فقدان بعض البكتيريا المفيدة، و زيادة نمو ميكروبات مرتبطة بالالتهاب.
ويقصد بالتنوع الميكروبي تنوع وتوازن أنواع الميكروبات المختلفة التي تعيش في الأمعاء. وتشير الأدلة المتزايدة إلى أن انخفاض هذا التنوع يعكس تدهور صحة الميكروبيوم، وقد يكون علامة مبكرة على بداية المرض.
وقد فحصت دراسة حديثة نتائج 67 دراسة علمية تناولت ميكروبيوم الأمعاء في عدة أمراض قلبية وعائية. وقارنت هذه الدراسات أكثر من 6000 مريض يعانون من أمراض تمثلت في: متلازمة الشريان التاجي الحادة، الرجفان الأذيني، مرض الشريان التاجي، فشل القلب، و السكتة الدماغية.
مع أشخاص أصحاء. وأظهرت النتائج أن المصابين بأمراض القلب لديهم مستويات أقل من البكتيريا المفيدة التي تخمّر الألياف مثل Faecalibacterium.
البصمة الميكروبية لأمراض القلب:
تعمل ميكروبات الأمعاء مثل مصانع صغيرة تقوم بتفكيك مكونات الطعام. وخلال هذه العملية تنتج مئات الجزيئات الصغيرة تسمى المستقلبات (metabolites).
ويمكن أن تستخدم هذه الجزيئات من قبل ميكروبات أخرى أو يتم امتصاصها عبر الأمعاء إلى مجرى الدم. وبعض هذه المستقلبات مفيد للجسم، بينما قد يكون بعضها ضارًا إذا زادت كميته.
لذلك، لا يدرس العلماء فقط أنواع الميكروبات الموجودة لدى مرضى القلب، بل يبحثون أيضًا في المستقلبات التي تنتجها هذه الميكروبات وتأثيرها على الصحة.
مركّب TMAO وعلاقته بأمراض القلب:
واحدة من أقوى الروابط بين ميكروبيوم الأمعاء وأمراض القلب تتعلق بمركّب يسمى TMAO (ثلاثي ميثيل أمين أكسيد).
تقوم بعض بكتيريا الأمعاء بتحويل عناصر غذائية موجودة في اللحوم الحمراء، البيض، و منتجات الألبان.
إلى مركب يسمى TMA (ثلاثي ميثيل أمين). ثم يعالَج هذا المركب في الكبد ويتحول إلى TMAO.
وقد ارتبط ارتفاع مستويات TMAO في الدم بزيادة خطر: النوبات القلبية، و السكتات الدماغية، والوفاة الناتجة عن أمراض القلب والأوعية الدموية.
ومن المهم أن إنتاج هذا المركب يختلف بين الأشخاص بحسب نوع البكتيريا الموجودة في أمعائهم. وهذا يعني أن شخصين قد يتناولان الطعام نفسه لكن ينتجان كميات مختلفة من هذا المركب الضار.
المستقلبات المفيدة للأمعاء والقلب:
لكن ليس كل ما تنتجه بكتيريا الأمعاء ضارًا. فبعض هذه المركبات قد يكون مفيدًا للقلب.
ويجري الباحثون حاليًا دراسات متزايدة حول مركبات تسمى الإندولات (Indoles)، وهي مواد تنتج عندما تقوم بكتيريا الأمعاء بتفكيك الحمض الأميني التربتوفان.
يوجد التربتوفان في الأطعمة الغنية بالبروتين مثل الدواجن، البيض، منتجات الألبان، و المكسرات.
ويلعب دورًا مهمًا في المزاج، و النوم، وتنظيم الشهية.
ويمتص الجسم معظم التربتوفان، لكن جزءًا صغيرًا منه يتحلل بواسطة بكتيريا الأمعاء ويتحول إلى مركبات مشتقة من الإندول.
وبينما قد تسهم بعض هذه المركبات في الالتهاب في ظروف معينة، يبدو أن بعضها الآخر يملك فوائد قوية لحماية القلب.
مركّب IPA الواقي للقلب:
أحد أكثر هذه المركبات الواعدة هو Indole-3-propionate (IPA)، والذي يُعتقد أنه يُنتج بشكل رئيسي بواسطة بكتيريا تسمى Clostridium sporogenes.
وقد أظهرت عدة دراسات أن الأشخاص الذين لديهم مستويات أعلى من IPA في الدم لديهم معدلات أقل من:
•السكري من النوع الثاني
•أمراض القلب والأوعية الدموية
كما يساعد IPA على تقوية الحاجز المعوي، مما يمنع تسرب المنتجات الميكروبية الضارة إلى مجرى الدم.
ولا تزال الأبحاث جارية لفهم كيفية تحول التربتوفان إلى مركبات مفيدة أو ضارة، ولماذا يحدث ذلك.
الوقاية والعلاج:
إن اكتشاف أن ميكروبات الأمعاء تسهم في تشكيل خطر الإصابة بأمراض القلب يغيّر طريقة تفكير العلماء حول الوقاية والعلاج.
ويبحث الباحثون الآن في كيفية استخدام البصمة الميكروبية للأمعاء إلى جانب عوامل الخطر المعروفة لتحديد الأشخاص المعرضين لأمراض القلب قبل ظهور الأعراض بوقت طويل.
وفي المستقبل قد تُستخدم البكتيريا المفيدة (البروبيوتيك) كعلاج لإبطاء تطور أمراض القلب أو القضاء على الميكروبات المرتبطة ببدء المرض.
الخلاصة:
على الرغم من أن هذا المجال العلمي لا يزال في مراحله المبكرة، فمن الواضح أن ميكروبيوم الأمعاء يجب أن يُنظر إليه كجزء من النظام المتكامل للجسم الذي يؤثر في صحتنا العامة.
وتشير هذه الأبحاث إلى فكرة مهمة وهي أن العناية بصحة القلب قد تبدأ ليس فقط بما نأكله، بل بكيفية معالجة ميكروبات الأمعاء لهذا الطعام.
المقال باللغة الإنجليزية بقلم فيونا نيو بيري
المصدر: The Conversation
تمت إعادة نشر المقال وفق رخصة المشاع الإبداعي



