ورد عن الإمام جعفر الصادق (ع) : مَن ذهب يرى أن له على الآخر فضلا فهو من المستكبرين )( الكافي ج ٨ ص ١٢٨ ) .
الإنسان كائن مركب من مزيج لعناصر تتداخل في بنيته الفكرية و السلوكية ، و لا يمكن فهم شخصيته و دوافع تصرفاته إلا من خلال فهم هذا التداخل بين هذه العناصر و تأثيرها و محركيتها له ، فهناك مصباح ينير له دروب الحياة و يفصح له عن تعقيدات الواقع و تطلعات المستقبل و عِبَر الماضي إن أرعى السمع و الانتباه و الإنصات له ، فهذا العقل يدرك حقائق الأمور و لكن البعض يعرض صفحا عن ندائه و تنبيهاته و يقدّم لقيادة زمام أموره هواه و شهواته ، و هذا ما يفسّر وقوع الإنسان العاقل في وحل الرذائل الأخلاقية ، إذ أنه حينها نحّى عقله جانبا و استعاض عنه بغرائزه المتفلّتة ، و هكذا يعيش الإنسان صراعا مستمرا بين الحركة الجوهرية للعقل المدرك و الشهوات التي تعدل به عن صراط الاستقامة و ترمي به بعيدا في مستنقع الآثام و المعايب ، و بخلاف عنصر العقل المدرك و الشهوة هناك عنصر الروح المتطلّعة نحو تعزيز مكانتها و بلوغ الدرجات العليا من الكمال الإنساني و اكتساب الفضائل ، و العنصر الرابع و الآخير هو القالب لتلك الروح و الوعاء لها و هو البدن الذي يثقل الحركة التكاملية و النورانية و يمانع تطلعها نحو السماء و يسقطها أرضا إن استجابت النفس لكل رغباته و نزواته ، و من خلال هذا التداخل القوي و الدقيق بين تلك العوامل الأربعة تتأرجح حركة النفس البشرية و مسيرة الإنسان بين السمو و الصعود الروحي بعد التحلّي بالفضائل و الاستجابة لصوت العقل المدرك ، و بين السقوط الأخلاقي عند وقوع الإخلال في حركة القيادة و تنحية العقل جانبا و الانسياق الأعمى خلف الشهوات .
و لننظر إلى حركة الإنسان و مسيره المتأثّر بتداخل مزيج العناصر المكوّنة له في مثال بسيط و هو روح التواضع أو روح التكبّر ، فالعقل المدرك لا يرى لصاحبه وزنا و لا قيمة أمام تلك العظمة و القدرة الإلهية و بديع الصنع في الكون ، و هذا الفهم لضآلة حجمه و شأنه يدعوه إلى إظهار التواضع و التجلبب به في علاقته بالله تعالى و الناس ، فالتواضع فضيلة أخلاقية تعكس معرفة الإنسان بحقيقته أمام عظمة الله تعالى ، فيتجنب التكبر و يرى نفسه عبدا محتاجا لا مستقلا ، و هو خفض الجناح للناس قولا و فعلا و احترامهم دون استعلاء ، تأسّيا بسيرة العظماء و الصالحين ممن زكّوا أنفسهم و كبحوا جماحها ، كما يُعدّ التواضع مظهرا من مظاهر كمال الإيمان ، إذ كلما ازداد العبد معرفة بالله تعالى ازداد تواضعا لعباده ، و هو ليس ذلّا أو ضعفا بل قوة روحية تنبع من الثقة بالله تعالى و السمو الأخلاقي ، و بين التواضع الذي يقرّبها من الله تعالى و التكبّر و استعلاء النفس الذي يقطعها عن الحقيقة ، و من أخطر ما يهدد هذا التوازن الداخلي صفة الكِبر التي لا تُعد مجرد سلوك اجتماعي ، بل هي حالة نفسية و روحية تعكس خللا في إدراك الإنسان لموقعه الحقيقي في الوجود ، فالمتكبر لا يخطئ فقط في التعامل مع الآخرين بل يخطئ أولا في فهم نفسه ، فالكبر رؤية باطنية تقوم على الشعور بالاستعلاء و احتقار الآخر و لو في أدق تفاصيل التفكير و المشاعر ، لذلك كان الكبر من أعظم الحجب التي تمنع القلب من الوصول إلى نور الهداية .



