مقدمة: من مقاعد الدراسة إلى منابر الوفاء
في حفلٍ أدبيٍّ اتّسم بالوفاء والعرفان، وضمن مناسبة تدشين كتابٍ يحمل بين دفّتيه ذاكرة المكان وملامح الإنسان كتاب “الناشط الاجتماعي الأستاذ طاهر العيثان… مسيرة عطاء”، برزت لحظةٌ استثنائية حين شارك الدكتور علي إبراهيم البراهيم بقصيدةٍ حملت عنوان “يا ساقيَ الأيام”، فجاءت هذه المشاركة لتتجاوز حدود الشعر إلى أفقٍ أرحب من الامتنان الإنساني، وتجسّد معنى العلاقة العميقة بين الطالب وأستاذه، تلك العلاقة التي لا تنقطع بانتهاء المرحلة الدراسية، بل تمتد أثرًا وتبقى أثرًا حيًّا في الوجدان.
لقد جاءت القصيدة بوصفها وثيقة وفاءٍ صادقة، يهديها طالبٌ إلى أستاذه طاهر محمد العيثان، ذلك الذي كان معلّمه في المرحلة المتوسطة، وترك في نفسه أثراً بالغاً في سنوات التكوين الأولى. فهي ليست مجرد استعادة لذكرى تعليمية، بل استحضارٌ لدورٍ عظيمٍ تجاوز حدود نقل المعرفة، ليغدو غرساً للقيم، وبناءً للشخصية، وصياغةً للإنسان في أسمى تجلياته.
قصيدة وفاء: يا ساقيَ الأيام
الحسنُ حين سطا عليكَ وسربلك
أبدعتَ منه للجمالِ محاسنَك
وبدوتَ حتى ما خفا لك صادرُ
تُزجيه من كرم السجايا أظهرك
إن رام فخرًا مسلكًا شوطُ العُلا
فعُلاكَ كل طريق فخرٍ قد سلك
فغدوتَ تُدني للبعيدِ معالمًا
ما كان يرجوها الذميل إذا درك
أثرتَ سيرًا مذ عُرفتَ على الوَنَى
ما كنتَ تُحمَلُ بل حملتَ تطلعك
في كل حادثةٍ يُشير بنانُنا
للناشطين وأنت ترفعُ بيرقك
هذي الحليلةُ سرُّها أن ترتدي
ثوبَ الفخار إذ المشقّر أولدك
من آل عيثانٍ نسلتَ ونسلُهم
بالمجد أورق والمآثر قد ملك
ولقد نُميتَ إلى الذين بسُوحيم
يزدان علمٌ يستنير به الحلك
فنذرتَ نفسَك تخدمُ الناسَ التي
ألقت أمانيها بحضنك من ضنك
يا ساقيَ الأيام حلوَ زلالها
هيهات تظمأ وهي تنشد موردك
أهديتَها زهوَ الشبابِ بوفرةٍ
حتى الكهولة في حياتك معترك
ما شختَ كلا لن تشيخَ وقد ورى
زند الحياة فأبدى فيها تغزلك
أحساءُ تنعمُ بالرجالِ مفاخرا
والله جودًا للحليلة سخّرك
تاريخُها الوضّاءُ ينسجُ ثوبَها
فإذا ترصّع بالجواهر ألبسك
تبقى لها الماضي وحاضرُها الذي
يزدان وصلًا في سجلك مشترك
إني لأغبطُك ابن معتوقٍ على
حفظ التراث ووعي عقلٍ جمّلك
فلقد أضفتَ إلى روائعك التي
ضمّت صنوفًا منها ما قد مثّلك
أهديتَ للأجيالِ سفرًا خالدًا
ملكت به أمجادها فيمن ملك
ماستْ به أهل الحليلة إذ غدت
في الحسن ترفل حيث قالت هيت لك
حفظُ الجميل من الرجال فضيلةٌ
يختال فيها من أقام ومن سلك
هذا أبو عبدالإله به سرى
عطرٌ يفوح إذا المديح توشّحك
المعلم في مرآة الطالب … قراءة في قصيدة يا ساقي الأيام
يبدأ الشاعر نصّه بصورة بلاغية لافتة، حين يصف أستاذه بـ “ساقي الأيام”، وهي استعارة تحمل دلالات عميقة، إذ تجعل من الممدوح مصدرًا للعطاء المستمر، ومنهلًا يفيض بالحكمة والمعرفة، وكأن الأيام نفسها تُسقى من عطائه، لا العكس. وهذه الصورة تكشف عن إدراك الشاعر لحجم التأثير الذي تركه أستاذه في مسيرته، حيث لم يكن مجرد معلمٍ عابر، بل كان رافدًا أساسيًا في تشكيل مسار حياته
ومع توالي الأبيات، تتجلّى ملامح الإعجاب مقرونةً بالتقدير، فيصور الشاعر أستاذه رجلًا لا يُحمَل إلى المجد بل يحمله، ولا ينتظر الاعتراف بفضله بل يصنعه بعمله وسيرته، في إشارةٍ إلى شخصيةٍ مبادرةٍ فاعلة، تتقدّم الصفوف بصمتٍ وعطاء، وتترك أثرها دون ضجيج.
كما يتّسع أفق القصيدة ليشمل البعد المكاني، حيث يربط الشاعر بين شخصية الممدوح وبيئته، فيستحضر الحليلة والأحساء بوصفهما حاضنةً لهذه القيم، ومنبعًا لهذه النماذج المضيئة، وكأن المكان هنا ليس مجرد إطارٍ جغرافي، بل هو شريكٌ في صناعة الإنسان، ومكوّنٌ من مكونات هويته.
وتتعمّق الدلالة أكثر حين يُبرز الشاعر جانب الخدمة المجتمعية، إذ يصف أستاذه بأنه نذر نفسه لخدمة الناس، فيتحوّل من معلمٍ داخل الصف إلى إنسانٍ فاعلٍ في مجتمعه، يسهم في بنائه، ويحمل همومه، ويشارك في نهضته، وهو ما يعكس صورة المربي الحقيقي الذي يتجاوز حدود المهنة إلى رسالةٍ إنسانيةٍ شاملة.
وفي سياق آخر، تحضر قيمة الزمن بقوة في النص، حيث يؤكد الشاعر أن العطاء الحقيقي لا يشيخ، وأن الإنسان الذي يزرع أثره في الآخرين يظل حاضرًا وإن تقدّم به العمر، فالشباب في هذا السياق ليس مرحلة عمرية، بل حالة عطاء متجددة، وهذا من أعمق المعاني التي يرسّخها النص.
كما تتجلّى في القصيدة قيمة حفظ الجميل، وهي من أسمى القيم الأخلاقية، حيث يصرّ الشاعر على توثيق هذا الوفاء في نصٍّ شعري، ليكون شاهدًا على ما قدّمه أستاذه، ودليلًا على أن المعروف لا يُنسى، وأن أثر المعلم لا يضيع مهما تعاقبت الأيام.
ولا يغيب عن النص البعد الثقافي، إذ يُشير الشاعر إلى ما قدّمه الممدوح من إسهامٍ في حفظ التراث، وإغناء الوعي، وكأن هذه الجهود تتحوّل إلى “سفرٍ خالد” يُهدى للأجيال، فيبقى حيًّا في ذاكرة المجتمع، ويُسهم في بناء هويته واستمراريته.
ومن الناحية الفنية، تتّسم القصيدة بجمال لغوي واضح، وصور بلاغية متماسكة، وانتقالٍ سلس بين المعاني، حيث يجمع الشاعر بين قوة التعبير وصدق الشعور، فلا تبدو الأبيات متكلّفة، بل تنساب بروحٍ صادقة تعكس عمق التجربة وحرارة الامتنان.
وفي المحصلة، فإن هذه القصيدة لا يمكن النظر إليها بوصفها نصًا أدبيًا فحسب، بل هي شهادة وفاء، ووثيقة تقدير، ونموذج حيّ لعلاقةٍ تربويةٍ ناجحة، تُبرز كيف يمكن للمعلم أن يصنع أثرًا يتجاوز حدود الزمن، وكيف يمكن للطالب أن يردّ هذا الجميل بالكلمة الصادقة، والموقف النبيل.
وهكذا، يظل “ساقي الأيام” عنوانًا لا لقصيدةٍ فقط، بل لقيمةٍ إنسانيةٍ خالدة، قوامها العطاء، وجوهرها الوفاء، وثمارها إنسانٌ يبقى أثره ما بقيت الأيام.



