الفصام الطفولي ليس مجرد اضطراب نفسي عابر، بل حالة معقدة تحتاج إلى فهم عميق وتشخيص دقيق ورعاية طويلة الأمد، وقد مرّ مفهومه بتطورات علمية كبيرة عبر التاريخ، بدءًا من اعتباره نوعًا من الذهان العام، وصولًا إلى اعتباره اضطرابًا مستقلًا له معايير تشخيصية خاصة ودقيقة.
حاليًا، يُعرف الفصام المبكر في الطفولة على أنه اضطراب شديد لكنه نادر، ويُشخَّص عادة عند ظهور الأعراض قبل سن 13 عامًا، مع أعراض مشابهة لفصام البالغين مثل الهلاوس والضلالات واضطراب التفكير، لكنه غالبًا يكون أكثر شدة في مساره. كما يُميَّز بوضوح عن اضطرابات طيف التوحد وغيرها من الاضطرابات النمائية.
البدايات الأولى في وصف الفصام الطفولي:
أُلِّف أول كتاب دراسي في طبّ النفس للأطفال على يد هيرمان إمنغهاوس (1845–1904) عام 1887، ويُعد هذا العمل من أوائل المحاولات العلمية لفهم الاضطرابات النفسية عند الأطفال.
وقد وصف فيه الذهان الطفولي على أنه نوع من الوهن العصبي الدماغي، وعرّف الاضطراب بأنه:
“عُصاب في الدماغ يتميز بانخفاض القدرات المعرفية، وتغيرات في المزاج، واضطرابات في النوم، والعديد من اضطرابات التعصيب، مع مسار تحت حاد أو مزمن، وحالات مختلفة من المآل.”
وهذا الوصف المبكر يُظهر أن فهم الطب النفسي آنذاك كان يركّز على الجانب العصبي والوظيفي أكثر من الفهم النفسي الحديث.
أوغست هومبورغر ووصف الأعراض السلبية:
في عام 1926، وصف أوغست هومبورغر (1873–1930) الفصام في الطفولة بأنه يشمل الانسحاب الاجتماعي، السلبية والانغلاق، و السلوك الغريب وغير المتوقع.
وهذه الأعراض تُصنَّف اليوم ضمن ما يُعرف بـ الأعراض السلبية للفصام، وهي من العلامات الأساسية التي تؤثر في الأداء الاجتماعي والانفعالي للمريض.
العلاقة التاريخية بين التوحد والفصام:
من المثير للاهتمام أن التوحّد كان يُعتبر خلال جزء كبير من القرن العشرين جزءًا من الفصام الطفولي، ولم يكن يُنظر إليه كاضطراب مستقل.
لكن هذا المفهوم تغيّر عندما قامليو كانر (1943) بوصف التوحّد الطفولي المبكر، و هانز أسبرغر (1944) بوصف اضطراب الشخصية التوحّدية.
وبذلك تم فصل هذين الاضطرابين عن مجموعة الذهانات الفصامية، وبدأت رحلة علمية طويلة انتهت باعتبار التوحّد والفصام اضطرابين منفصلين تمامًا، لكل منهما خصائصه وتشخيصه وعلاجه الخاص.
ظهور مصطلح الفصام:
أدخل يوجين بلولر (1857–1939) مصطلح الفصام (Schizophrenia) عام 1911، بديلًا عن المصطلح القديم “الخرف المبكر” الذي استخدمه كريبلين.
وقد رأى بلولر أن الفصام ليس مرضًا واحدًا، بل مجموعة من الاضطرابات التي تشترك في اضطراب التفكير والانفعال والإدراك، ويمكن تقسيمها إلى أشكال متعددة.
الفصام الطفولي ككيان مستقل:
في عام 1937، وصف جاكوب لوتز (1903–1998) الفصام الطفولي ككيان مستقل عن الفصام الذي يظهر عند البالغين، مؤكدًا أن ظهوره في سن مبكرة يحمل خصائص سريرية مختلفة ويحتاج إلى تقييم خاص.
الفرق بين الفصام الطفولي والفصام المبكر
يُستخدم مصطلح الفصام ذو البداية الطفولية Childhood-Onset Schizophrenia (COS)
للأطفال الذين تبدأ لديهم الأعراض قبل سن 13 عامًا.
أما مصطلح الفصام المبكر Early-Onset Schizophrenia، فيُستخدم للحالات التي تبدأ فيها الأعراض قبل سن 18 عامًا.
أما الفصام عند البالغين، فعادة يبدأ بعد سن 18 عامًا.
ويُعد الفصام الطفولي نادرًا جدًا، إذ تشير الدراسات إلى أن نسبة حدوثه أقل من حالة واحدة لكل 10,000 طفل.
هل الفصام الطفولي امتداد لفصام البالغين؟
تشير الأدلة الحديثة إلى أن الفصام الطفولي يقع على امتداد واحد مع الفصام عند البالغين، حيث يوجد اضطرابات معرفية مبكرة، تأخر في النمو اللغوي أو الاجتماعي أحيانًا، مسار مرضي مزمن، تأثير طويل الأمد على الأداء الدراسي والاجتماعي، و ارتفاع في معدلات المراضة والوفيات على المدى البعيد، ولهذا يُنظر إليه كاضطراب شديد يحتاج إلى تشخيص مبكر ومتابعة طويلة الأمد.
الأعراض الأساسية للفصام عند الأطفال والمراهقين:
الضلالات (Delusions)
الضلالات هي معتقدات راسخة وقوية يتمسّك بها الشخص، رغم أنها لا يشاركه فيها أفراد أسرته أو مجتمعه، وتكون ناتجة عن تفسير خاطئ للواقع الخارجي، ولا تتناسب مع خلفيته الاجتماعية أو الدينية.
بمعنى آخر، يعتقد الطفل أو المراهق أمورًا غير صحيحة بشكل جازم، مثل اعتقاده أن هناك من يراقبه باستمرار، أو أن الناس يريدون إيذاءه، أو أنه يمتلك قدرات خارقة خاصة.
ويُعد التعامل مع الضلالات أكثر تعقيدًا عند الأطفال والمراهقين، لأن بعض الأفكار الخيالية قد تكون جزءًا طبيعيًا من النمو، لذلك يجب تقييمها ضمن السياق العمري والنفسي المناسب.
الهلاوس (Hallucinations)
الهلاوس هي إدراكات حسية كاذبة تحدث دون وجود مؤثر خارجي حقيقي.
ففي الاضطرابات الذهانية، قد يرى الطفل أو يسمع أو يشعر بأشياء غير موجودة فعليًا، وقد تشمل الهلاوس أيًا من الحواس الخمس، مثل:
• الهلاوس السمعية (سماع أصوات غير موجودة)
• الهلاوس البصرية (رؤية أشخاص أو أشياء غير موجودة)
• الهلاوس الشمية (شم روائح غير موجودة)
• الهلاوس الذوقية (الإحساس بطعم غير موجود)
• الهلاوس الجسدية أو الحسية (الإحساس بشيء يتحرك داخل الجسم مثلًا)
وتُعد الهلاوس السمعية، مثل “سماع الأصوات”، أكثر شيوعًا من الهلاوس البصرية لدى الأطفال والمراهقين المصابين بالذهان.
كما أن الهلاوس قد تظهر أيضًا عند الأطفال الذين يعانون من القلق، أو الاكتئاب، أو الاضطرابات الأسرية، أو فرط الحركة وتشتت الانتباه، لذلك يجب تقييمها بعناية، وعدم اعتبارها دليلًا مباشرًا على الفصام دون دراسة الحالة كاملة.
الكلام غير المنظم (Disorganized Speech)
قد يظهر على الطفل المصاب بالفصام اضطراب واضح في طريقة الكلام أو في محتواه.
فقد يصبح الكلام غير مترابط أو غير مفهوم، أو ينتقل من فكرة إلى أخرى دون تسلسل منطقي، وقد يستخدم كلمات مخترعة جديدة لا معنى لها (Neologisms)، أو ما يُعرف بـ “سلطة الكلمات” (Word Salad)، وهي مجموعة من الكلمات والجمل غير المنطقية أو غير المرتبطة ببعضها.
هذا النوع من الاضطراب يعكس خللًا في التفكير نفسه، لأن الكلام هو المرآة المباشرة لطريقة تنظيم الأفكار.
السلوك غير المنظم (Disorganized Behavior)
يشير هذا العرض إلى وجود اضطراب واضح في التصرفات اليومية والسلوك العام.
ومن أمثلة ذلك:
• ضعف القدرة على الاهتمام بالنظافة الشخصية
•القيام بتصرفات غريبة أو غير مناسبة اجتماعيًا
• صعوبة وضع أهداف بسيطة وتحقيقها
• الفشل في الاستجابة للمواقف الاجتماعية بطريقة مناسبة
• سلوك اندفاعي أو اقتحامي غير مبرر
وقد يبدو الطفل في هذه الحالة غير قادر على تنظيم يومه أو التعامل الطبيعي مع محيطه، مما يؤثر بشكل واضح على حياته الدراسية والاجتماعية.
الأعراض السلبية (Negative Symptoms)
الأعراض السلبية لا تعني وجود سلوك زائد، بل تعني غياب السلوك الطبيعي أو نقصه.
ومن أمثلتها:
• تسطّح المشاعر (Flat Affect):ضعف التعبير العاطفي، بحيث يبدو الطفل بلا انفعالات واضحة أو استجابة وجدانية مناسبة.
• فقدان المتعة (Anhedonia): عدم القدرة على الشعور بالفرح أو الاستمتاع بالأشياء التي كانت ممتعة سابقًا.
•فقر الكلام (Alogia):قلة الكلام أو الإجابات القصيرة جدًا مع ضعف التفاعل اللفظي.
• فقدان الدافعية (Avolition):ضعف المبادرة والرغبة في القيام بالأنشطة اليومية أو الاجتماعية.
وهذه الأعراض تُعد من أكثر الجوانب تأثيرًا على الأداء الاجتماعي والدراسي، وغالبًا ما تكون مزمنة وتحتاج إلى متابعة طويلة الأمد.
المعايير التشخيصية وفق DSM-5:
لكي يتم تشخيص الفصام وفق معايير DSM-5، يجب توفر ما يلي:
أولا: وجود عرضين على الأقل من الأعراض التالية:
• الضلالات (Delusions)
• الهلاوس (Hallucinations)
• الكلام غير المنظم
• السلوك غير المنظم أو الجامودي (Catatonic behavior)
• الأعراض السلبية مثل: تسطّح المشاعر، فقر الكلام،و فقدان الدافعية.
ويجب أن تكون موجودة خلال جزء كبير من الوقت لمدة شهر واحد على الأقل، ما لم يتم تقليلها بالعلاج.
ثانيًا: تراجع واضح في الأداء الوظيفي
يجب أن يكون هناك انخفاض ملحوظ في الأداء الاجتماعي أو الدراسي أو المهني مقارنة بما كان عليه الشخص قبل ظهور المرض، أو فشل في الوصول إلى المستوى المتوقع من الأداء.
ثالثًا: استمرار علامات الاضطراب لمدة لا تقل عن 6 أشهر
ويشمل ذلك فترات الأعراض النشطة وفترات الأعراض الأقل وضوحًا.
خصائص الفصام عند الأطفال:
رغم تشابه الأعراض الأساسية بين الأطفال والبالغين، إلا أن هناك فروقًا مهمة، منها:
• الضلالات عند الأطفال تكون أقل تعقيدًا
• الهلاوس البصرية أكثر شيوعًا
• صعوبة التمييز بين الخيال الطبيعي والهلاوس المرضية
• تأثر واضح في الأداء الدراسي والتفاعل الاجتماعي
• تراجع في المهارات المكتسبة سابقًا
ويجب على الطبيب التفريق بين الفصام وبين اضطرابات أخرى مثل التوحّد، اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، اضطرابات القلق، الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، واضطرابات ما بعد الصدمة.
أهمية التشخيص المبكر:
كلما تم تشخيص الفصام الطفولي مبكرًا، كانت فرص السيطرة على الأعراض وتحسين جودة الحياة أفضل، لأن التأخر في التشخيص قد يؤدي إلى تدهور دراسي شديد، عزلة اجتماعية، اضطرابات سلوكية، وصعوبة في بناء الشخصية والاستقلال النفسي.
لذلك فإن الملاحظة الدقيقة من الأسرة والمدرسة، والتقييم المبكر من الطبيب النفسي المختص، يُعدّان من أهم عوامل النجاح العلاجي.
إن الوعي بهذه الحالة، والتفريق بينها وبين غيرها من الاضطرابات النمائية والنفسية، يمثل خطوة أساسية نحو تقديم الدعم الصحيح للأطفال المصابين ومساعدتهم على حياة أكثر استقرارًا وكرامة.



