بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
في زمنٍ تتشابك فيه المصالح، وتتعقّد فيه العلاقات، لم تعد جميع التحالفات تُبنى على الصدق أو المبادئ، بل غدا بعضها قائمًا على التصنّع والتزييف، يُراد منه تحقيق مكاسب مؤقتة ولو على حساب القيم والضمير. ومع مرور الوقت، تنكشف هذه الوجوه، ويظهر الفرق بين من يبني علاقاته على الإخلاص، ومن يتخذها وسيلةً للنفوذ والمصالح الضيقة.
إن أخطر ما في هذه التحالفات المزيّفة، أنها تتزيّن بلباس الودّ والاحترام، بينما تُخفي في باطنها نوايا مريبة. فالبعض يُحسن التمثيل، ويتقن صناعة الصورة أمام الآخرين، لكنه في الحقيقة يسعى إلى كسب الثقة ليستخدمها لاحقًا في تحقيق أهدافه الخاصة. وهذا السلوك، وإن نجح لفترة، إلا أنه لا يدوم، لأن الحقائق مهما طال زمنها لا بد أن تظهر، ولأن الناس مع التجارب يزدادون وعيًا وتمييزًا.
وقد أكّد أهل البيت (عليهم السلام) على خطورة هذا النفاق الاجتماعي، فعن الإمام علي (ع):
"ما أضمر أحدٌ شيئًا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه".
كما رُوي عن الإمام الصادق (ع):
"من خادع الله خُدع".
إن من يتصنّع العلاقات الطيبة لأجل كسب ثقة الآخرين، قد يظن أنه ذكيٌّ في تدبيره، لكنه في الحقيقة يزرع الشك من حوله، ويهدم مصداقيته بيديه. فالناس، وإن خُدعوا في البداية، إلا أنهم لا يستمرون في الغفلة، بل سرعان ما يكتشفون التناقض بين الأقوال والأفعال، وبين الظاهر والباطن.
والأدهى من ذلك، أن هذه الممارسات لا تضرّ بالأفراد فحسب، بل تُضعف المجتمع بأكمله، لأنها تزعزع الثقة بين أفراده، وتجعل العلاقات قائمة على الحذر بدل الطمأنينة، وعلى الشك بدل اليقين.
ومن هنا، فإن المعيار الحقيقي في بناء العلاقات، ليس في كثرة المجاملات، ولا في حسن العبارات، بل في الصدق والثبات، وفي انسجام الظاهر مع الباطن. فالعلاقة الصادقة قد تكون بسيطة، لكنها راسخة، بينما العلاقة المبنية على التزييف، مهما بدت قوية، فهي هشّة سرعان ما تنهار.
وفي الختام، يبقى الضمير الحيّ هو الحصن الحقيقي للإنسان، وهو المعيار الذي يُميّز بين الصدق والزيف. فليحذر الإنسان أن يكون ممن يتلاعبون بالعلاقات لأجل المصالح، لأنهم في النهاية لا يخدعون إلا أنفسهم، وسيأتي يومٌ تنكشف فيه الحقائق، ويُعرف فيه كل إنسان على حقيقته.
✍️ صالح مكي المرهون أبو منتظر



