مدارج التحرر الروحي :
ما حقيقة هجرة النفس من واقع إلى واقع آخر، بحيث يحدث ذلك التحول العميق في الوعي الفكري، والنزاهة السلوكية، والوجهة، ومركز التعلق ؟
الهجرة الحقيقية ليست مجرد مظاهر وقشور تعتري الفرد، وإنما هي حدث يحرك دواخله، ويعيد تشكيل نمط تفكيره وتصرفاته على أساسها؛ لتتبلور بعد ذلك في الخارج على هيئة أفعال تتناسق مع ما يعتقد به ويتصوره. فالإنسان، من دون منهجية تربوية تهذب نفسه، يخضع لعبودية النفس في أهوائها وشهواتها المتفلتة، ويتحرك بناء عليها، ولذا يمكن فهم واقعه وطريقة تفكيره بوصفهما خاضعين لحركة المصالح والاستجابة للرغبات المادية، بغض النظر عن الآثار المترتبة عليها، وما قد تفضي إليه من سلبيات وخسائر .
أما الهجرة الإيمانية، فيتحرر فيها الإنسان من عبودية الهوى والنزوات إلى العبودية لله تعالى، والورع عن المحارم والنقائص والرذائل، وهذا ما ينعكس على واقعه الجديد، فيتجلى في استقامة السلوك، ونزاهة النفس، وتحري الصواب في منطقه وأفعاله. وبالطبع، فإن هذه السمة تبرز في سلوكياته الفردية والمجتمعية، وفي علاقاته مع الآخرين، حيث يتخلص من الانفعالات الشديدة وسواد القلب المتمثل في الكراهية .
كما أنه، بدلا من الخضوع لمنطق القوة والاقتدار، والتعامل معه على أساس تحصيل الرغبات وضمان بقائها بين يديه، ينحاز إلى منطق العدالة وحفظ الحقوق المادية والمعنوية، وصيانة خصوصيات الآخرين، فيجعلها خطا أحمر لا يمكن تجاوزه بسبب وجود خلاف أو صدور إساءة من أحد .
الهجرة الحقيقية تحرر الإنسان من أسر العادات والرغبات التي تقوده بسير أعمى، لا يبصر معه نهاية الطريق ولا آثار الخطوة التي أقدم عليها، إنها تمنحه القدرة على التحكم في رغبات النفس ومشتهياتها، وضبط إيقاعها وفق تصورات العقل الواعي، والنظر في عواقب الأمور. كما يتخلص من المخاوف التي تسكن نفسه، وتشكل مانعا من قبول الحق أو النصيحة أو الرأي المنطقي، فيتحرك وفق بوصلة الخير والهدى، وإن لم يتوافق ذلك مع عادات أو بيئة لا تتقبل هذا المسار .
وهذا ما نجده جليا فيمن دخلوا دين الإسلام بعد تحكيم عقولهم والانحياز إلى دعوة التوحيد وقيم الفضيلة الأخلاقية، بعد أن عاشوا ضلالا مبينا في مختلف نواحي حياتهم العقائدية والاجتماعية والسلوكية، فكانت هجرتهم الحقيقية نحو استعادة الفطرة السليمة، والحرية الداخلية، ويقظة النفس من سبات الجهالة والغفلة .
وأعادوا ترتيب عقولهم، فتحرروا من تبعية تقليد الآباء الأعمى، ولم يضربوا بعرض الحائط كل صورة واضحة المعاني، بل انحازوا إلى العبودية للواحد القهار، بعد أن كانوا يعبدون حجارة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، وهي الأصنام. وانعكست تلك الهجرة بتحرر العقول من سيطرة الأوهام، والإرادات المكبلة بحبال التبعية والانصياع الأعمى، فأضحت حقيقتهم قوة تستمد ثباتها من الخوف من الله تعالى، بحيث لا يبقى الهوى بوصلة، ولا يبقى الخوف حاكما يخضعون له.
فحين يشتد ليل الجاهلية الحالك، يبعث الله تعالى نور التوحيد ليحرر الإنسان من الوثنية والانحراف، ولتنبثق دولة إلهية تقيم العدل، وتحفظ كرامة الإنسان، وترسخ قيم الهداية. فالتغيير الحقيقي يبدأ بتحرير القلب من عبودية الأهواء، فيتحول الإيمان إلى منهج حياة، وتصنع الرسالة إنسانا ومجتمعا .
لأنك مصدرنا الأول .. شاركنا أخبارك موثقة بالصور .. قضية .. مقال .. وذلك بالإرسال على رقم خدمة الواتساب 0594002003
- 2026-10-23 تنسيق مشترك لتطوير الطرق ورفع السلامة المرورية في الأحساء
- 2026-10-23 “أبل” تطرح أول آيفون قابل للطي وسط إقبال “استثنائي”
- 2026-10-23 بالصور.. أصداء الديرة تنشر أولى دفعات صور عرسان مهرجان المنيزلة للزواج الجماعي
- 2026-10-23 طلاب المملكة يستمتعون بأول إجازة إضافية للعام الدراسي.. والعودة الاثنين
- 2026-10-23 4 مباريات ودية تُجهز الأخضر لكأس آسيا 2027
- 2026-10-22 غرفة الأحساء تعلن لقاءً وظيفيًا لطرح فرص في تخصصات متنوعة
- 2026-10-22 دراسة: البرودة المعتدلة تُبطئ الشيخوخة
- 2026-10-22 لائحة جديدة للحضانات.. مقدمة رعاية لكل 5 رضع وحظر العقاب بحرمان الطفل من احتياجاته
- 2026-10-22 الطيران المدني: استئناف العمليات التشغيلية في مطار الملك فهد الدولي وعودة الحركة الجوية إلى طبيعتها
- 2026-10-22 وزارة الرياضة: ارتفاع ممارسة النساء للنشاط البدني في المملكة إلى 52.9% خلال 2026
السيد فاضل علوي آل درويش



