كان حديثًا عابرًا في ظاهره، لكنه بقي عالقًا في ذاكرتي سنوات طويلة.
أخبرني يومها، وفي صوته شيء من الحماس والأمل، أنه التحق بكلية الطب، وأنه إذا أنهى دراسته فسوف يختار تخصص أمراض الدم.
سألته عن سر هذا الاختيار المبكر، ولماذا أمراض الدم تحديدًا؟
واصل حديثه، وكأنه لا يتحدث عن تخصص طبي بقدر ما يتحدث عن قضية عاشها في جسده وروحه، وقال:
«أنا مصاب بالداء المنجلي، وقد تعرضت لنوبات التمنجل بين فترة وأخرى. عشت آلامها بنفسي، وعرفت قسوتها، ورأيت كذلك معاناة الآخرين من المرض نفسه. رأيتهم يتألمون ويتأذون، ولذلك أريد أن أتخصص في أمراض الدم، وأن أتحدى هذا المرض، لعلني أستطيع يومًا أن أساعد في التخفيف من معاناة الناس منه».
كانت كلماته تحمل معنى يتجاوز الرغبة في دراسة الطب.
كان يريد أن يحوّل ألمه إلى رسالة، وتجربته الشخصية إلى معرفة، ومعاناته إلى باب يخفف من خلاله معاناة الآخرين.
كنت اتذكر بعض المواقف عندما كان والده يحضره إلى الإسعاف و هو في ألم شديد و يضعون له المحاليل الوريدية والمسكنات.
لقد عرف المرض لا من صفحات الكتب، ولا من قاعات المحاضرات، بل عرفه من داخله؛ من ليالٍ طويلة من الألم، ومن نوبات تأتي دون استئذان، ومن زيارات للمستشفى، ومن لحظات يشعر فيها المريض أن كل ما يتمناه هو أن يهدأ الألم قليلًا.
ولذلك كان حلمه جميلًا ومؤثرًا:
أن يصبح الطبيب الذي كان يتمنى أن يجده إلى جواره في ساعات الألم.
لكن المرض الذي أراد أن يتحداه لم يمهله كما كان يتمنى.
بعد فترة علمت أنه ترك كلية الطب.
لم يكن ذلك لأن طموحه قد انطفأ، ولا لأنه تراجع عن حلمه، ولكن نوبات التمنجل الشديدة والمتكررة أثقلت جسده، وجعلت مواصلة الطريق في كلية الطب أمرًا بالغ الصعوبة.
انتقل إلى تخصص آخر، وسلك طريقًا مختلفًا في الحياة.
ومرت السنوات…
ومثل كثير من الناس، أخذته الحياة إلى مساراتها المتعددة. درس وعمل، ثم تزوج، وبدأ يبني حياته بعيدًا عن ذلك الحلم القديم الذي حدثني عنه يومًا.
ولكن المرض بقي رفيقه الثقيل.
ثم جاءني بعد سنوات الخبر الذي لم أكن أتمنى سماعه:
لقد فارق الحياة إثر نوبة تمنجل حادة وهو في ريعان الشباب وذروته.
عندها عادت إليّ كلماته الأولى بكل تفاصيلها:
«أريد أن أتحدى هذا المرض… لعلني أساعد في التخفيف من معاناة الناس منه».
يا للمفارقة المؤلمة.
كان يحلم بأن يدرس المرض، فكان المرض قد درسه في جسده منذ طفولته.
كان يريد أن يهزم الألم بالعلم، لكن الألم كان أقوى من جسده.
كان يريد أن يصبح طبيبًا لأمراض الدم كي يساعد مرضى الداء المنجلي، ثم كان الداء المنجلي نفسه سببًا في أن يترك كلية الطب، وبعد سنوات كان سببًا في رحيله.
لكن هل انتهت قصته فعلًا؟
أعتقد أن بعض الأحلام لا تنتهي برحيل أصحابها.
فهذا الشاب، حتى وإن لم يصبح طبيب أمراض الدم كما أراد، ترك في قصته رسالة ينبغي أن تصل إلى كل طبيب وكل طالب طب وكل من يتعامل مع مرضى الداء المنجلي.
إن المريض الذي أمامنا ليس «حالة منجلية» ولا رقمًا في ملف طبي، بل إنسان يحمل أحلامًا ومشاريع وأسرة ومستقبلًا. وقد تكون خلف ابتسامته سنوات من الألم لا يعرف عنها الآخرون شيئًا.
ونوبات الألم المنجلي ليست مجرد عرض عابر، بل تجربة قاسية قد تتكرر عشرات المرات خلال حياة الإنسان، وقد تؤثر في دراسته وعمله وعلاقاته وأحلامه، بل وفي قدرته على مواصلة الطريق الذي اختاره لنفسه.
وقد علّمتني قصته معنى آخر:
أن بعض الناس يصنع الألم في داخلهم رغبةً في الرحمة بالآخرين.
فهو لم يقل: لماذا أصابني هذا المرض؟
بل قال بمعنى كلماته: لقد عرفت هذا الألم، ولذلك أريد أن أتعلم كيف أخففه عن غيري.
وهذه مرتبة إنسانية جميلة؛ أن تتحول المعاناة من جرح شخصي إلى دافع للعطاء.
رحل قبل أن يحقق حلمه في أن يصبح طبيبًا لأمراض الدم، ولكن قصته نفسها أصبحت درسًا في أمراض الدم، ودرسًا أكبر في الطب والإنسانية.
درسًا يقول لنا إن وراء كل سرير في المستشفى قصة، ووراء كل مريض أحلامًا قد لا نعرفها، وإن الكلمة الطيبة وتسكين الألم وحسن الاستماع والاهتمام بالمريض ليست أمورًا هامشية في الطب، بل هي في صميم رسالته.
وكلما تذكرت ذلك الشاب، تذكرت حلمه الذي بدأ من الألم:
«أريد أن أتحدى هذا المرض، لعلني أساعد الناس الذين يعانون منه».
لم يمهله العمر ليحقق حلمه بالطريقة التي أرادها، لكن ربما بقيت قصته لتفعل شيئًا من ذلك نيابةً عنه؛ لتجعلنا أكثر فهمًا لمعاناة مرضى الداء المنجلي، وأكثر رحمة بهم، وأكثر إصرارًا على أن نمنحهم حياة لا يختصرها المرض.
رحم الله ذلك الشاب الذي أفجعنا برحيله، ورحم أحلامًا جميلة أوقفها المرض قبل أن تكتمل.



