في محراب القرآن الكريم، لا نجد سؤالاً عبثياً أو عفوياً، بل كلّ استفهام يفتح نافذةً على بصيرة جديدة، متصاعداً بهداية إلهية فائقة لتقويم الفكر الإنساني وتهذيب المشاعر.
ولسبر أغوار هذا البلاغ الرباني الفريد، نقف معاً على المحاور الجوهرية التالية التي تكشف لنا دقائق هذه الحكمة:
أولاً: توجيه الاهتمام للأولويات
يتجاوز القرآن الفضول البشري للغوص في جوهر المنفعة وعمارة الأرض؛ ففي الرد على السؤال عن الأهلة، لا يشرح تفاصيل فلكية بحتة، بل يبيّن مواقيت العباد لتصويب توجههم وحجهم. كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾
وجه الحكمة: تحويل نظر السائل من الفضول العلمي المجرد إلى الغايات العملية والحكمة التشريعية ذات الأثر في حياة الفرد والمجتمع.
ثانياً: استبصار الغايات الخفية في النفوس
يكشف الخطاب الإلهي عما وراء السؤال من شبهات أو جهل، فيأخذ بيد السائل نحو اليقين والسكينة. ومن مثال ذلك سؤالهم عن ماهية الروح، لتدارك عجز الإدراك البشري ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
وجه الحكمة: إرجاع السائل إلى التسليم بعجز الإمكان البشري عن إحاطة كل الغيبيات، مما يورث النفس تواضعاً ويقيناً بعظمة الخالق.
ثالثاً: تفرد الخطاب المباشر وربانية التوجيه
يمنح بناء "يسألونك" النص القرآني صرامة التشريع ودفء التوجيه الإلهي، حيث يأتي الإجابة بلا فاصل بشري لترسيخ العقيدة وحسم الأحكام من لدن عليم خبير، مما يعلي من شأن السائل والمجيب.
* الاستشهاد القرآني: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ...﴾ ومقابلةً لذلك في الدعاء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
وجه الحكمة: التعبير بـ "قل" في الأحكام التشريعية لإثبات الرسالة والنبوة، وحذفها في آية الدعاء لبيان القرب الإلهي المباشر الذي لا يحتاج واسطة.
رابعاً: تنوع طبقات السائلين وأثره على طبيعة الرد
يتضح كيف تتخفف الإجابة بحسب حال السائل وعقيدته؛ فالخطاب مع المؤمنين يهدف لزيادة اليقين والتطبيق، بينما مع المعاندين يأتي بالحجة والتنكيل.
الاستشهاد القرآني مع المؤمنين (التربية والتطبيق): قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾
اما مع المعاندين (الحجة والوعيد): قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾
وجه الحكمة: التلاؤم البلاغي بين طبيعة السؤال ونفسية السائل، فالمؤمن يُجاب بالتربية والمكرمة، والمعاند يُجاب بقوة الحجة وقطع الخصومة.
خامساً: تنشيط التفاعل العقلي واستنهاض ملكة التفكير
تتحول صيغ السؤال والإجابة إلى دعوة مستمرة للمؤمنين للتفكر والبحث عن الحكمة، مما يجعل النص القرآني حياً ومتجدداً في كل زمان كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾
وجه الحكمة: وضع المعايير أمام العقل البشري للموازنة بين المنافع والمفاسد، ليقتنع الوجدان قبل امثال الأمر بالتحريم.
ختاما ,,, نخلص إلى أن فلسفة السؤال والإجابة في القرآن الكريم تتجاوز حدود الاستخبار، لتكون منهجاً تربوياً متكاملاً؛ يوجه الأولويات، ويعالج خفايا النفوس، ويربط العبد بربه مباشرة عبر خطابات تراعي أحوال السائلين، وتوقد في عقولهم جذوة التدبر المستمر.



