بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
المعلم.. حين يكون غرس اليوم ثمرة الغد
إن مهنة التعليم ليست مجرد وظيفة يؤديها الإنسان في ساعات محددة ثم ينصرف عنها، وليست مجرد مصدر للرزق أو وسيلة للحصول على راتب آخر الشهر، بل هي رسالة عظيمة، ومسؤولية اجتماعية، وعمل تربوي وإنساني يمكن أن يتحول بالإخلاص وحسن النية إلى عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى.
فالمعلم الذي يدخل إلى فصله ينبغي أن يستشعر عظمة المكانة التي يقف فيها، وأن يعرف أن أمامه جيلاً كاملاً من الأبناء والبنات، وأن الكلمة التي يقولها اليوم، والموقف الذي يتخذه، والابتسامة التي يرسمها على وجه طالب، أو القسوة التي يمارسها على آخر، قد تبقى آثارها في النفوس سنوات طويلة.
إن الطالب ليس رقماً في كشف الحضور، وليس اسماً في قائمة الدرجات، وليس مجرد شخص مطلوب من المعلم أن ينتهي من تدريسه وفق المنهج المحدد، بل هو إنسان له مشاعر، وله طموح، وقدرات، وربما يعاني في حياته ما لا يعلمه المعلم.
وقد يكون بين الطلاب الذين يجلسون اليوم أمام معلمهم طبيبٌ يعالجه غداً، أو موظفٌ في دائرة حكومية يسعى لخدمته، أو مسؤولٌ يقف في موقع يستطيع من خلاله أن يقدم الخير للناس، أو معلمٌ يربي أبناءه، أو رجلٌ صالحٌ يتزوج ابنته ويصبح فرداً من أسرته، أو صديقاً لابنه، أو جاراً له، أو إنساناً يكون له أثر مباشر في حياته وحياة أسرته.
وهنا ينبغي للمعلم أن يتوقف قليلاً أمام هذه الحقيقة الجميلة والعميقة:
إن ما نزرعه اليوم في نفوس الطلاب، قد نقطف ثماره غداً في حياتنا.
فقد ينسى الإنسان كثيراً من تفاصيل حياته، لكنه لا ينسى بسهولة معلماً أحسن إليه، وشجعه عندما كان ضعيفاً، وأمسك بيده عندما كان متعثراً، وآمن بقدراته عندما كان الآخرون يشككون فيه.
كما أن الطالب قد لا ينسى معلماً أهانه، أو كسر خاطره، أو سخر منه أمام زملائه، أو جعله يشعر بالعجز والفشل.
ولهذا فإن دور المعلم لا يقتصر على تعليم القراءة والكتابة، ولا على شرح معادلة أو درس أو قاعدة علمية، بل إن من أعظم أدواره أن يصنع الإنسان، ويبني الشخصية، ويزرع الثقة، ويغرس الأخلاق والقيم، ويجعل الطالب يشعر بأنه قادر على النجاح والنهوض مهما تعثر.
المعلم أبٌ في ثوب المربي
من أجمل ما ينبغي أن يتحلى به المعلم أن يتعامل مع طلابه باعتبارهم أبناءه.
فكما أن الأب يتمنى لأبنائه النجاح، ويتحمل أخطاءهم، ويصبر على ضعفهم، ويحاول إصلاحهم بدلاً من تحطيمهم، ينبغي للمعلم أن يحمل في قلبه شيئاً من هذه الأبوة التربوية.
ليس المقصود أن يتساهل المعلم في النظام، أو يتنازل عن هيبة التعليم، أو يغض الطرف عن الخطأ، بل المقصود أن يكون حازماً بروح الأب، ومربياً بقلب رحيم، ومعلماً يعرف كيف يجمع بين الانضباط والإنسانية.
فكم من طالب تغيرت حياته بسبب كلمة قالها له معلم:
أنت تستطيع.
وكم من طالب نهض من ضعفه لأن معلماً قال له:
أنا أؤمن بك، فلا تستسلم.
وكم من إنسان أصبح ناجحاً في حياته لأنه وجد في المدرسة معلماً لم ينظر إلى ضعفه، بل نظر إلى الإمكانات التي يحملها في داخله.
إن بعض الطلاب لا يحتاجون إلى مزيد من الصراخ، بل يحتاجون إلى من يفهمهم.
وبعضهم لا يحتاج إلى من يذكره دائماً بفشله، بل يحتاج إلى من يكتشف نقطة القوة التي بداخله.
وبعضهم قد يأتي إلى المدرسة مثقلاً بمشكلات أسرية أو نفسية أو اجتماعية، ثم يجد في كلمة طيبة من معلمه ما يعيد إليه شيئاً من الأمل.
وهنا تتجلى عظمة الرسالة التربوية.
التعليم عبادة حين تصح النية
إن المعلم الذي يخرج من بيته وهو يستحضر أنه ذاهب لخدمة أبناء المجتمع، وأنه يريد أن ينفع الناس بعلمه، وأن يزرع في عقول الطلاب ما يكون سبباً لصلاحهم ومستقبلهم، فإن عمله يأخذ معنى مختلفاً تماماً.
فهو لا يقف أمام الطلاب فقط من أجل أداء واجب وظيفي، بل لأنه يؤدي رسالة.
ولا يشرح الدرس من أجل أن تنتهي الحصة، بل لأنه يريد أن يصل العلم إلى عقول الطلاب.
ولا ينصح الطالب لأنه مسؤول عنه في المدرسة فقط، بل لأنه يشعر بمسؤوليته أمام الله والمجتمع والضمير.
وما أعظم الإنسان حين يحول وظيفته إلى طريق من طرق الخير، ومصدر من مصادر العطاء، وباباً من أبواب التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
فالمعلم يستطيع أن يجعل من يومه عبادة حين يخلص النية، ويصبر على طلابه، ويتحمل مشقة تعليمهم، ويعاملهم بالأخلاق الحسنة، ويؤدي الأمانة العلمية والتربوية كما ينبغي.
لا تجعلوا الراتب هو الهدف الوحيد
نعم، من حق المعلم أن يتقاضى راتبه، وأن يعيش حياة كريمة، وأن ينال حقوقه كاملة، فهذا حق مشروع لا نقاش فيه.
ولكن الخطر أن تتحول نظرة الإنسان إلى التعليم وكأنه مجرد ساعات عمل وراتب شهري، وأن يغيب عنه المعنى العظيم للرسالة التي يحملها.
فالراتب ينتهي أثره بإنفاقه، أما الطالب الذي يتعلم ويصبح إنساناً صالحاً ونافعاً فإن أثره قد يبقى سنوات طويلة.
وقد يرى المعلم بعد عشرين أو ثلاثين سنة طالباً من طلابه أصبح طبيباً ناجحاً، أو معلماً متميزاً، أو مهندساً، أو مسؤولاً، أو أباً صالحاً، أو إنساناً يخدم مجتمعه، فيشعر بالفخر لأنه كان يوماً من الأيام جزءاً من صناعة هذه الشخصية.
وهذه من أعظم الثمار التي يقطفها المربي في حياته.
فالمعلم يزرع اليوم، وقد يحصد بعد سنوات.
وقد يغرس كلمة طيبة في طفل صغير، ثم يراها بعد سنوات أخلاقاً حسنة في رجل كبير.
وقد يعلم طالباً قيمة الصدق، ثم يجد ذلك الطالب صادقاً في معاملاته.
وقد يغرس فيه احترام الناس، فيصبح إنساناً محترماً لأسرته ومجتمعه.
وقد يشجعه على العلم، فيصبح عالماً أو طبيباً أو معلماً ينفع آلاف الناس.
وهكذا يمتد أثر المعلم، أحياناً، إلى أجيال لا يعرفها ولا يلتقي بها.
مسؤولية الكلمة والموقف
أيها المعلمون الأعزاء، إن الطالب قد ينسى كثيراً من الدروس، لكنه قد لا ينسى أبداً كيف جعله معلمه يشعر.
فاحذروا من كلمة تجرح قلباً صغيراً.
واحذروا من سخرية قد تهدم شخصية طالب.
واحذروا من مقارنة جارحة تجعل أحد الطلاب يشعر بأنه أقل من الآخرين.
فليس كل طالب متفوقاً في الشيء نفسه، وليس كل عقل يسير بالطريقة نفسها.
قد يكون الطالب ضعيفاً في مادة، لكنه مبدع في مجال آخر.
وقد يتأخر اليوم، ثم يتقدم غداً.
وكم من إنسان لم يكن متفوقاً في مقاعد الدراسة، لكنه أصبح ناجحاً ومؤثراً في الحياة.
لذلك فإن دور المعلم الحقيقي هو أن يكتشف، ويشجع، ويوجه، ويصبر، ويصنع الأمل.
إن المعلم الناجح لا يقيس نجاحه فقط بعدد الطلاب الذين حصلوا على أعلى الدرجات، بل يقيسه أيضاً بعدد القلوب التي استطاع أن يصل إليها، والشخصيات التي ساهم في بنائها، والطلاب الذين انتشلهم من اليأس، وجعلهم يؤمنون بأنفسهم.
غرس اليوم هو مستقبل المجتمع
إن المجتمع الذي يكرم معلمه ويعطي التعليم مكانته، هو مجتمع يستثمر في مستقبله.
فالطبيب كان يوماً طالباً.
والمهندس كان يوماً طالباً.
والقاضي والموظف والمسؤول والتاجر والمعلم كانوا جميعاً في يوم من الأيام يجلسون أمام معلم.
ولهذا فإن المعلم يشارك، بطريقة أو بأخرى، في صناعة مستقبل المجتمع كله.
فإذا أخلص في عمله، وأحسن تربية الطلاب، وغرس فيهم العلم والأخلاق، فإنه يقدم للمجتمع ثروة لا تقدر بثمن.
وإذا أهمل رسالته، أو تعامل مع الطلاب بقسوة واستهانة، فقد يترك آثاراً مؤلمة تحتاج سنوات طويلة حتى تزول.
فما أعظم الفرق بين معلم يدخل إلى الفصل وهو يقول في نفسه:
متى تنتهي الحصة؟
وبين معلم يدخل وهو يقول:
ماذا أستطيع أن أقدم اليوم لأبناء المجتمع؟
الأول يؤدي وقتاً، والثاني يؤدي رسالة.
الأول ينتظر نهاية الدوام، والثاني يترك أثراً يبقى بعد انتهاء سنوات عمره.
كلمة أخيرة إلى كل معلم ومعلمة
تذكروا دائماً أن أمامكم أبناء وبناتاً يحملون مستقبل المجتمع.
عاملوا الطالب كما تحبون أن يعامل أبناؤكم.
شجعوا قبل أن تحطموا.
أصلحوا قبل أن تعاقبوا.
افهموا قبل أن تحكموا.
استمعوا قبل أن تغضبوا.
وكونوا قريبين من طلابكم بالخلق الحسن والاحترام والرحمة، مع المحافظة على هيبة المعلم ومكانة المدرسة والانضباط.
فقد يأتي يوم تقفون فيه أمام طبيب فيقول لكم: كنت أستاذي.
أو تدخلون دائرة حكومية فيقف أمامكم موظف قائلاً: تعلمت على يديك.
أو ترون معلماً يعلم أبناءكم، فتكتشفون أنه كان يوماً أحد طلابكم.
وعندها ستدركون أن الأيام قد دارت، وأن ما غرس في الأمس قد أثمر في اليوم.
فطوبى لكل معلم جعل من علمه صدقة، ومن أخلاقه تربية، ومن وظيفته رسالة، ومن عمله طريقاً للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
إن المعلم لا يزرع في الكتب فقط، بل يزرع في العقول والقلوب.
وما يُزرع في الأرض قد ينتهي موسمه، أما ما يُزرع في الإنسان فقد يبقى أثره جيلاً بعد جيل.
فأخلصوا في رسالتكم، واجتهدوا في عملكم، وأحسنوا إلى طلابكم، فإنكم اليوم تصنعون ما ستقطفون ثماره غداً.



