في رحلة الحياة المليئة بالقرارات المصيرية، يجد الإنسان نفسه كثيراً عند مفترق طرق. وفي تلك اللحظات الفاصلة، لا تكمن القوة في الاستبداد بالرأي، بل في الامتداد بعقول الآخرين وحكمتهم. إن الاستشارة علامة نضج فكري؛ وهي القبس الذي يضيء للمرء عتمة الاحتمالات، وعين الهداية التي يبصر بها العواقب قبل أن تزلّ القدم. وحتى لا تظل هذه القيمة مجرد شعارات نظريّة، فإن التوافيق في القرار تتطلب منا الانتقال إلى ممارسة واعية في اختيار من نستشير، وكيف نتعامل مع ركام الآراء من حولنا؟
للإجابة على هذه الأسئلة نتناول أبعاد هذا الموضوع في المحاور التالية: ـ
أولاً: الاستشارة.. استعارةٌ للعقول واختصارٌ للزمان
الاستشارة في جوهرها هي عملية إضافة رؤى وزوايا جديدة إلى عقلك. عندما تستشير، فأنت لا تأخذ رأياً مجرداً فحسب، بل تختصر سنين طويلة من تجارب الآخرين، وتستفيد من خبراتهم وأخطائهم دون أن تدفع ثمنها من عمرك أو مالك، وكما قيل (العاقل من أضاف عقول الناس إلى عقله)
ثانياً: من هم أهل المشورة؟ (صفات المستشار الأمين)
ليست كل نصيحة نفعاً، ولا كل مشير أهلاً للثقة؛ لذا فإن اختيار المستشار هو المقوم الأول لنجاح الاستشارة. وأهل المشورة يجمعون بين أربع صفات أساسية هي: ـ
1/العلم والخبرة: أن يكون المستشار ذا دراية واختصاص بالمجال المطروح، فاستشارة غير المختص تُحيّر ولا تَهدي.
2/الأمانة والإخلاص: المشورة أمانة، والمستشار المؤتمن يبتغي مصلحتك ويصدقك القول، لا من يجاملك أو يداريك.
3/الحكمة والاتزان: القدرة على استشراف العواقب والنظر إلى الأمور بتجرد بعيداً عن الانفعال والهوى.
4/كتمان السر: أن يكون حفيظاً على ما يُفضى إليه من شؤون وأسرار.
ثالثاً: وهم المشورة الجماعية.. هل نستشير المجتمع؟
من الأخطاء الشائعة في اتخاذ القرار عرض المسائل الخاصة أو الاستراتيجية على عموم المجتمع، أملًا في التوصل للرأي الأصوب. هذا المسلك غالباً ما يؤدي إلى عكس المراد للأسباب التالية:
* تشتت القرار: اختلاف مرجعيات الناس وخلفياتهم يولد تضارباً في الآراء يزيد الحيرة بدلاً من جلائها.
* غياب التخصص: ليس كل فرد في المجتمع مؤهلاً للفهم في شؤون الإدارة، أو المال، أو التربية، أو القانون.
* السطحية والعاطفة: الرأي العام ينقاد غالباً للمظاهر والانطباعات الوقتية دون غوص في التفاصيل العميقة.
رابعاً: كيف نستفيد من "المجتمع" دون الوقوع في الشتات؟
عدم أخذ المشورة من الكافة لا يعني إهمال المجتمع تماماً، بل يعني وضع آراء الناس في نصابها الصحيح عبر الخطوات التالية:
* التفرقة بين "المشورة" و"استطلاع الاتجاهات" المشورة تُطلب حصراً من خواص أهل الذكر والتخصص، بينما يُستفاد من عموم المجتمع في معرفة الاحتياجات الانطباعية أو قياس التوجهات.
* تضييق دائرة القرار: احصر استشارتك النهائية في اثنين أو ثلاثة من الثقات المختصين؛ فالكثرة تشتت، والقلم الذي يمسك به عشرة أشخاص لا يكتب حرفاً مستقيماً.
* الفرز والغربلة: اجعل ما يصلك من آراء المجتمع مجرد "بيانات أولية"، ثم اعرضها على غربال التخصص لدى أهل الخبرة لاستخلاص النافع منها.
في الختام ,, تبقى الاستشارة عين الهداية التي تقي الإنسان مرارة الندم بعد فوات الأوان، وكما جاء في المأثور: "ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار". فالقرار في النهاية ملك لك وحدك، لكن نوره يُقتبس من عقول الأخيار وأصحاب الخبرة والاختصاص.



