لعل الكثير يمر عليه ظهر يوم الجمعة وهو يغط في نوم عميق، ولعل البعض مشغولًا بفترة نزهة أو نقاهة، بينما صوت الدعاء الأذان الإلهي:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
أكيدًا أن الأذان يخترق سمعه، وقطعًا ليس قلبه، فلو كان يخترق القلب لتحرك نحوه الجسم تبعًا للقلب نحو تلبية النداء الإلهي، اقتداءً بسيد الكائنات صلى الله عليه وآله الطاهرين، الذي شعت شمس الدعوة إليه من الآية الشريفة:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢).
فهل في ساعات الوجوب والحرمة نكون على خطى رسول الله، ومنها ساعة الظهر يوم الجمعة؟
بالإضافة إلى الجانب العبادي والروحي، هناك الرافد العلمي الذي يضخه العلماء في الساعة التي ينبغي أن يكون الجميع مستيقظًا وقتها، للتأقلم مع الجدول الأسبوعي، والاختلاف هو تأخر ساعة الاستيقاظ أو عدم وجود التزام وظيفي.
عمومًا، هناك كلمات وخطب تستحق أن تكون وجبة المؤمنين الأسبوعية، فلا غنى عن مراجعة أهل العلم الديني في جميع طروحاتهم. فلقد علّق أحد مفاخر المذهب من آيات الله الحوزة حين مدح تميز منبره بالثراء الفكري قائلًا -مضمونًا-: الجميع يخدم الإمام الحسين عليه السلام بما يتقنه، ونحن بحاجة إلى جميع الطروحات المنبرية: فكرية وعقائدية وفقهية وأخلاقية وتاريخية واجتماعية وغيرها.
وأكيدًا يتفق معنا القارئ العزيز أن منبر الجمعة كذلك، فالكل هنا يأتي لينهل من معين محمد وآل محمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
للجمعة منبرًا
هناك منابر من منابر الجمعة تتميز بالمواكبة والتطور المستمر، فلا يمر يوم له مناسبة دينية وإنسانية تعزز القيم الإنسانية في المجتمع إلا ووظفها ذلك الفاضل لتوعية المرتادين لبيت الله عنها، بخطاب حكيم وواعٍ وأسلوب جذاب وهادئ.
من يعتاد الحضور عندهم ويلاحظ تميزهم بذلك لا يرتوي إلا بالعودة إلى منبرهم، وإن دعاه التغيير إلى التطواف في جنات الجمعة المحمدية.
هناك ترى عملًا دؤوبًا، ليفاجئك أن ملاحظة قلتها لأحد من له صلة ترى أثرها في الخطبة القادمة.
ومما قل نظيره أن تتفاجأ بأن ما تكتبه على صفحات العالم الافتراضي، مما تراه فضفضة أو بوحًا، مطلع عليه خطيب الجمعة القدير، بل ويشجعك على الاستمرار، مع ما تراه قامة خطابية تقول: وهل يقرأ لأمثالي؟ أدام المولى عليه هذه الروحية المسؤولة تجاه مجتمعه.
وقطعًا هذا وحده مشجع على الكتابة والاستمرار والاجتهاد في كتابة الأفضل قدر المستطاع.
ذلك العمل الدؤوب أنتج خطابًا متنوع المشارب، طارقًا باب الديني والفكري والفقهي والوعظي والاجتماعي والتاريخي، مما يعطي مادة جاهزة للمواكبة الدينية والفكرية والثقافية والاجتماعية وغيرها للمتلقي.
ولو أراد أن يبذل مجهودًا لتقصيها أو بحثها، لاحتاج لشهور، مع زخم الواجبات الأسرية والوظيفية وغيرها، فمن الإسراف الزهد في مثل هذه المنابر، خصوصًا أنها تقدم في قالب صلاة الجمعة المحمدية.
عودًا على بدء، تتميز بعض صلوات الجمعة -إضافة إلى الأجواء الروحية والأخوية والعطاء العلمي- باستقبال إمام الجماعة للمصلين، وتبادل الحديث والاستماع لهم ومنهم.
ومضة
١. يوم الجمعة عيد، والطقوس التي يستحب الإتيان بها تشبه أعمال عيد الفطر والأضحى، من غسل ودعاء الندبة وما إلى ذلك، فحبًا للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله الطاهرين، ولإمام الزمان الذي يومه يوم الجمعة، يجب علينا إحياء هذا اليوم وليلته كما يستحقان.
٢. في زخم المشاغل الوظيفية يتجلى الحاجة لدور فضلاء الحوزة في ضخ الجرعات الروحية والتوعوية للمجتمع، فالفضلاء منحهم دورهم رؤية عن بعد، ما يمكنهم من الإرشاد الحكيم بناءً على قراءة الواقع ومحاكمته برأي الدين المحمدي، صلى الله عليه سيده وآله الطاهرين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
٣. لا تجعل من الأعذار والعوائق مانعًا عن تمييز يوم الجمعة على غيره من الأيام -سواء كسل أو حواجز اختلاف توجهات أو آراء-، فيكفي أن يكون الإمام عادلًا، والعدالة هي: الاستقامة العملية في جادة الشريعة المقدسة، الناشئة غالبًا عن خوف راسخ في النفس، وينافيها ترك واجب أو فعل حرام من دون مؤمِّن.
فهل الاختلاف في الرأي أو التوجه يعد ترك واجب أو فعل محرم؟ نَكِلُ ذلك للمكلف ومرجعه.
…
هامش:
١. سورة الجمعة - آية ٩.
٢. سورة الأحزاب - آية ٢١.



