الفردانية من فكرة إلى نمط حياة :
لم يعد الحديث عن مفهوم الفردانية محصورا كإحدى النظريات التي يتناولها علماء الفلسفة ويضعون محدداتها، بل برزت اليوم كمحطة ثقافية تُلوّن أنماط الحياة وتفاصيلها، وتركز على تشكيل وعي الإنسان وإدراكه لذاته ونمط علاقته بالآخرين.
إن اكتشاف الذات وما تحمله النفس من نقاط قوة أو ضعف يُعد مساحة معرفية لتحديد المسؤوليات المناطة بالإنسان في ميدان تحقيق الذات ومسار التكامل، وقد تتحوّل تلك المساحة المعرفية الوجودية إلى مركز تُقاس به الأشياء؛ فتتميز الأمور عنده بحسب ما يقع في دائرة نفعيته فيسعى نحوها، أو ما يخرج عنها فيتركها. وهكذا تنحصر قيمة الإنسان في سيره الأعمى خلف رغباته وإطلاق العنان لشهواته دون التوقف عند حد معين.
بينما تضع الرؤية الدينية والأخلاقية النفس البشرية في إطار الضبط والاتزان الناشئ من تهذيبها وتنزيهها عن الأهواء والرذائل؛ فالحرية هنا لا تُعد تكبيلا ولا تقييدا لحركة الفكر والسلوك، بل هي نظر واعٍ بعواقب الأمور وما ينتج منها، فيحيّد الإنسان نفسه عما يجلب الأضرار والمخاطر. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ...﴾ [الجاثية: 23].
فحين يستولي الهوى على زمام أمور الفرد واتخاذ القرار، تتحول الحرية -في الظاهر- إلى عبودية باطنة وذلة تأسره.
أما معرفة النفس في الرؤية الدينية والقيمية، فهي تحرير للإنسان من أسر النفس الأمارة بالسوء، وتحكّم سليم في حياته وعلاقاته.
ومن الخطأ فهم أن تهذيب النفس وضبط إيقاع الخطوات والقرارات يعمل على إلغاء شخصيته وإرادته؛ إذ إن الإرادة عندما تسير وفق قوانين التكامل وحفظ النفس من النقائص والأضرار المختلفة، فإن ذلك يعني الاتجاه نحو خط الارتقاء والتألق. وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع): نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ )( نهج البلاغة، الخطبة 193).
فما المقصود بذلك العناء الذي يجلبه لنفسه، بينما يتحصّل الناس من حوله ومَن يتعاملون معه على الراحة والهدوء النفسي؟
إن كمال الإنسان وتألقه ينبعان من مجاهدة نفسه وروح الأنانية التي تدك حقوق الآخرين وتتجاوز عليهم؛ فيحفظ نفسه ويعمل على إثبات وجوده وتحقيق طموحاته دون أن يكون مصدر أذى للغير. فمنطقه استقلال الذات في فكره وقراراته دون أن يتجه للتطرف والتوحش وتأليه الذات.
أما الفردانية المتوحشة، فتتحول فيها استقلالية الفرد واهتمامه بذاته إلى نزعة أنانية مطلقة تعزل الإنسان عن مجتمعه وتجعله يتعامل بمنطق المنفعة؛ فيتفرغ من أي مسؤولية أخلاقية أو اجتماعية تجاه الآخرين (التبلد الوجداني تجاه آلام حاجات الغير).
ويسأل المرء الفرداني نفسه حينئذ عما يتحصّل عليه وما يمكن أن يمنحه الآخر من منافع، ولا يمكن الحديث أمامه عن تلك القيم الإنسانية النبيلة كالوفاء ومساندة الغير وصلة الأرحام، وهو يضع نصب عينيه قيم حب الذات (السلبي)، والبحث عن مصالحه، وتحقيق الرغبات الشخصية.
وهكذا نجد أن الاختلاف موجود وبقوة بين من يحترم إنسانيته النبيلة ويرى في تلك القيم محددات لوجوده وعطائه، وبين من يضرب بها عرض الحائط ويرميها خلف ظهره عندما يجدها تتعارض مع مصالحه.
لأنك مصدرنا الأول .. شاركنا أخبارك موثقة بالصور .. قضية .. مقال .. وذلك بالإرسال على رقم خدمة الواتساب 0594002003
- 2026-09-18 وظائف تعليمية للجنسين عبر جدارات في 8 مدن بالمملك
- 2026-09-18 “الدفاع” تعلن مواعيد ومواقع العروض الجوية لليوم الوطني
- 2026-09-18 بدء التقييم الإلكتروني لحوكمة المؤسسات الأهلية والصناديق العائلية في 20 سبتمبر
- 2026-09-17 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يرأس الاجتماع الرابع لمجلس إدارة هيئة تطوير الأحساء لعام 2026م
- 2026-09-17 وزير الإعلام يطلق “مهرجان ليونز الرياض”
- 2026-09-17 سمو محافظ الأحساء يكرّم تجمع الأحساء الصحي لتحقيقه المركز الأول في «التميّز بالرعاية الأولية»
- 2026-09-17 عاجل | جامعة الملك فيصل تقدم موعد إيداع مكافأة الطلبة احتفاءً باليوم الوطني
- 2026-09-17 «الثقافة والفنون بالأحساء» تطلق ورشة التمثيل لصقل المواهب أمام الكاميرا
- 2026-09-17 51 جهة تتأهب في «استجابة 25».. تقنيات متطورة تحاكي أخطار الانسكابات الزيتية بشرق المملكة
- 2026-09-16 «أمن الحرمين خط أحمر».. احباط مسيّرة حوثية جنوب مكة
السيد فاضل علوي آل درويش



