روايتان تضعنا أمام سؤال: كيف نعامل أقرب الناس إلينا؟
قد يُعرف الإنسان بين الناس بحسن خُلقه ولطف حديثه، فيستقبلهم بابتسامة، ويلتمس لهم الأعذار، ويتأنّى قبل أن يردّ عليهم؛ ثم إذا دخل بيته، نفد صبره عند أول خلاف، وضاق صدره بطلب صغير، وسمح لنفسه بكلمات لا يقولها لغريب. وهنا تظهر قيمة البِرّ بأهل البيت؛ إذ تدعونا الروايتان إلى أن يكون لأهلنا النصيب الأوفر من رحمتنا واهتمامنا.
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «مَن حَسُنَ بِرُّهُ بِأَهلِ بَيتِهِ مُدَّ لَهُ في عُمُرِهِ» [١]
وفي رواية أخرى عنه عليه السلام: «مَن حَسُنَ بِرُّهُ في أهلِ بَيتِهِ زيدَ في رِزقِهِ» [٢]
البِرّ خُلُق يتجاوز أداء الواجب:
قد يظن بعض الناس أنه أدّى حق أسرته ما دام يوفّر لها المسكن والطعام وما تحتاج إليه من مال. وتلك مسؤوليات مهمة، لكن البِرّ أوسع منها. فهو يشمل طريقة الحديث، وحسن الاستماع، ومراعاة المشاعر، والمشاركة في تحمّل أعباء الحياة. وقد تبقى في ذاكرة الزوجة أو الزوج كلمة تقدير صادقة أكثر مما يبقى ثمن هدية، ويتذكر الطفل لحظة أنصت فيها والداه إلى حديثه، وإن بدا لهما حديثًا بسيطًا.
والبِرّ لا يقتصر على أوقات الصفاء، حين تكون النفوس مرتاحة والطلبات قليلة. إنما يُختبر أيضًا عند التعب وضيق الوقت واختلاف الرأي. ففي هذه اللحظات يحتاج الإنسان إلى أن يتذكر أن من يعيشون معه يتأثرون بنبرة صوته ونظراته، كما يتأثرون بأفعاله الكبيرة. وليس المطلوب أن يخلو البيت من الخلاف؛ فالاختلاف جزء من الحياة، لكن يمكن إدارته بكلام يحفظ الكرامة ويترك باب المودة مفتوحًا.
البيت أول مواضع الأخلاق:
من السهل أحيانًا أن نُظهر أفضل ما لدينا في لقاء قصير خارج المنزل. أما الأسرة فترانا في أيام النشاط والإنهاك، وفي لحظات النجاح والخيبة. ولهذا يصبح حسن التعامل معها عملًا يحتاج إلى وعي متجدد. فالخُلق الجميل لا ينبغي أن يتوقف عند باب البيت، بل أن يدخل معنا إلى تفاصيله اليومية.
قد يكون البِرّ في سؤال الزوج عن يومه والإنصات إلى جوابه، أو في ملاحظة تعب الزوجة وشكرها ومساعدتها، أو في الحديث مع الأبناء دون سخرية من مخاوفهم. ويكون في توقير الكبير، والرفق بالصغير، والاعتذار إذا تجاوزنا، وعدم تحويل الخطأ الواحد إلى حكم دائم على صاحبه. هذه الأعمال قد تبدو صغيرة إذا نظرنا إلى كل واحدة منها منفردة، لكنها تصنع، بتكرارها، جوّ البيت الذي يعيش فيه الجميع.
ومن أوجه البِرّ كذلك أن نمنح أهلنا من وقتنا حضورًا حقيقيًا. فقد يجلس أفراد الأسرة في غرفة واحدة، لكن كلًّا منهم منشغل بشاشة أو بأمر آخر. والحضور الذي يحتاجونه ليس طول الجلوس فقط، بل أن يشعروا بأن حديثهم يستحق الإصغاء، وأن فرحهم يهمّنا، وأن حزنهم لا يمرّ أمامنا دون التفات.
الأبناء يتعلّمون مما يرونه:
لا يتعلم الطفل معنى الرحمة من المواعظ وحدها. إنه يراها حين يشكر أحد والديه الآخر، وحين يسمع اعتذارًا بعد غضب، وحين يُعالَج الخلاف دون إهانة. ويرى معنى الاحترام في طريقة تعامل الكبار مع الجد والجدة، ومع الإخوة والأخوات، ومع من يساعدون الأسرة في شؤونها.
وقد يُكثر الوالدان من توجيه الأبناء إلى حسن الكلام، لكن أثر التوجيه يضعف إذا كان الطفل يسمع في البيت صراخًا أو استهزاءً. لذلك فإن البِرّ بأهل البيت تربية بالممارسة؛ فهو يعلّم الأبناء، يومًا بعد يوم، كيف يبنون علاقاتهم حين يكبرون. وكل كلمة مطمئنة، وكل إنصاف في خلاف، يضيفان إلى شعورهم بأن البيت مكان يجدون فيه الأمان.
ماذا تعني البركة في العمر والرزق؟
تربط الرواية الأولى حسن البِرّ بمدّ العمر، وتربط الثانية بينه وبين زيادة الرزق. وفي هذا الربط دعوة إلى النظر في أثر أخلاقنا داخل الأسرة. ويمكن للمرء أن يتأمل العمر من جهة ما يُفتح فيه من خير وما يتركه الإنسان من أثر طيب، وأن يتأمل الرزق في صور متعددة، منها المال والصحة وراحة النفس والمودة بين الأهل وغيرها.
فالبيت الذي تسوده الرحمة يمنح أفراده سندًا عند الشدة، ويعينهم على مواجهة أعباء الحياة. وكم من إنسان اتسع رزقه في عينيه حين وجد من يشاركه التعب ويقدّر جهده، وكم من وقت قصير امتلأ بمعنى جميل لأن أهله عاشوه في ألفة وصفاء. إن اجتماع القلوب نعمة قد لا ينتبه إليها الإنسان إلا حين يفتقدها.
على أن البِرّ لا ينبغي أن يتحول إلى معاملة نؤديها انتظارًا لعائد محدد. قيمته في أنه حقّ لأهلنا وخيرٌ لنا ولهم، سواء أدركنا أثره سريعًا أم لم ندركه. وما أجمل أن يحسن الإنسان إلى أسرته لأنه يحب لها الخير، ويرجو أن يكون في عمله رضا الله وبركته.
من أين نبدأ؟
لا يحتاج البِرّ إلى مناسبة كبيرة. يمكن أن يبدأ اليوم بكلمة شكر تأخرت، أو باعتذار عن قسوة صدرت، أو بوقت نخصّصه لمن نحب دون انشغال. ويمكن أن يبدأ بأن نسأل أنفسنا قبل دخول البيت: هل سأحمل معي توتر يومي فألقيه على أهلي، أم سأمنح نفسي لحظة أهدأ فيها وألقاهم بوجه طيب؟
وإذا قصّرنا يومًا، فليس ذلك سببًا لليأس. العلاقات الأسرية تنمو بالمراجعة والإصلاح، والإنسان قادر على تغيير عاداته بالتدريج. قد لا نستطيع إزالة كل ضغوط الحياة، لكننا نستطيع أن نتعلّم كيف نتحدث تحت الضغط، وكيف نطلب المساعدة، وكيف نختلف من غير أن نجرح.
إن قول الإمام الصادق عليه السلام يذكّرنا بأن للبِرّ وجهًا قريبًا نلقاه كل صباح ومساء. وأهل البيت هم أولى الناس بأن يسمعوا كلماتنا اللطيفة، وأن يروا صبرنا، وأن يشعروا بصدق عنايتنا. فإذا أردنا أن نعرف أثر أخلاقنا، فلننظر إلى من يعيشون معنا: هل يجدون في قربنا رحمة وطمأنينة؟ ذلك سؤال يستحق أن نحمله معنا، وأن نجعل جوابه عملًا يتجدد كل يوم.
فلنسأل أنفسنا في نهاية كل يوم: هل كان لأهل بيتنا نصيب من أفضل ما في أخلاقنا؟ إن البِرّ بهم ليس مناسبة عابرة، بل خُلُق يتجدد في حديثنا وقراراتنا وطريقة تعاملنا عند الرضا والخلاف. ومن أراد أن ينشر الخير بعيدًا، فليحرص أن يراه أقرب الناس إليه أولًا.
هوامش:
[١] جامع أحاديث الشيعة، ج ٢١، السيد البروجردي، ص ٤١٨، الخير والبركة في الكتاب والسنة، محمد الريشهري، ص ١٦٧، ينابيع الحكمة، ج ٢، عباس الإسماعيلي اليزدي، ص ٥٢٦، الأسرة ونظامها في الإسلام، حسين أنصاريان، ص ٢٦٩
[٢] موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج ٢، محمد الريشهري، ص ٣٦٣، ينابيع الحكمة، ج ٢، عباس الإسماعيلي اليزدي، ص ٥٢٦، بحار الأنوار، ج ٧١، العلامة المجلسي، ص ١٠٦



