ليست «أحبك» حروفًا عابرة تُقال لتجميل الحديث؛ إنها رسالة إلى قلبٍ آخر مفادها: أنت مهم، ولك مكان في نفسي. وقد تكون هذه الكلمة عزاءً لأم، وطمأنينةً لزوجة، وأمانًا لطفل، ووفاءً لأب، أو تقديرًا لشريك يشاركنا تفاصيل الحياة. لكن قيمتها لا تأتي من نطقها وحده، بل من صدقها ومن السلوك الذي يصدّقها بعد ذلك.
تُقال حين يكون في النفس حبٌّ صادق يستحق أن يُعبَّر عنه، لا حين نحتاج إلى كسب رضا أحد أو استمالة عاطفته. فللأم أن تسمعها من أبنائها، كما يحتاج الأب إلى من يعبّر له عن امتنانه، ويحتاج الطفل إلى حبٍّ يسمعه ويراه في الرعاية والاحتواء. أما بين الزوجين، فالكلمة ليست زينةً في بداية العلاقة فحسب؛ إنها تذكير متجدد بالمودة، ولا سيما حين تساندها الرحمة والاحترام وتحمل المسؤولية.
وقد لا يكون أثر الكلمة واحدًا لدى الجميع؛ فشخص يجد فيها طمأنينة، وآخر يقدّرها حين تقترن بفعل، وثالث يحتاج إلى سماعها بعد خلاف أو في لحظة ضعف. لذلك لا يكفي أن نقولها بالطريقة التي نحبها نحن، بل أن ننتبه إلى ما يحتاجه من نحب: كلمة رقيقة، أو إصغاء، أو موقف يثبت أن الحب ليس وعدًا لفظيًا فحسب.
ومن الناحية النفسية، قد تمنح «أحبك» متلقيها شعورًا بالتقدير والانتماء والأمان، إذا صدرت من شخص يثق به ويجد في معاملته ما يطمئنه. أما إذا تناقضت الكلمة مع الإهمال أو الإهانة أو التلاعب، فقد تتحول من مصدر راحة إلى سبب للشك والخذلان؛ لأن القلب لا يكتفي بما يسمع، بل يقارن الكلام بما يراه.
أما فسيولوجيًا، فقد تساعد العلاقات الداعمة على تخفيف استجابة الإنسان للضغط النفسي، لكن الدقة تقتضي ألا ننسب إلى كلمة بعينها أثرًا هرمونيًا ثابتًا؛ فالأبحاث في العلاقة بين التفاعل الاجتماعي والأوكسيتوسين متباينة، وتتأثر بالسياق والفروق بين الأشخاص. والأصح أن نقول إن الكلمة الصادقة، حين تأتي ضمن علاقة آمنة وداعمة، قد تعزز شعور المتلقي بالمساندة، وهذا الشعور يرتبط بطرق متعددة بتنظيم التوتر والاستجابة له.
وفي المنظور الإسلامي، لا تنفصل المحبة عن حسن المعاملة والوفاء. فالقرآن يصف العلاقة الزوجية بالمودة والرحمة والسكن، ويأمر بالإحسان إلى الوالدين ومخاطبتهما بالقول الكريم، كما يذكّر بالمسؤولية عن العهود والوعود. وهكذا لا تُختزل المحبة في عبارة؛ بل تظهر في طريقة العيش مع من نحب، وفي حفظ كرامته والوفاء له وصون قلبه من العبث.
ومن تعاليم أهل البيت عليهم السلام ما رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: «المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشّه ولا يَعِدُه عِدَةً فيُخلِفَه». ومع أن الرواية تتحدث عن أخلاق المؤمن في علاقته بأخيه، فإن معناها يضيء كل علاقة إنسانية؛ فلا يصح أن تُمنح الكلمات لتُنشئ الثقة، ثم تُنقض الأمانة التي قامت عليها.
وتزداد خطورة كلمة «أحبك» حين تُقال في تعارف لم يتجاوز شاشةً ومحادثات قليلة؛ فيمنحها قائلها معنى عميقًا قبل أن يعرف الشخص الذي يخاطبه حق المعرفة، أو يتأكد من صدق مشاعره نحوه. وقد لا تكون وراءها محبة ناضجة، بل لذة عابرة، أو شهوة مؤقتة، أو رغبة في استمالة الطرف الآخر. ثم إذا سأل القائل نفسه: «هل أحبه حقًا؟» وجد في داخله ترددًا وخوفًا من المسؤولية التي قد تترتب على هذه الكلمة.
فـ«أحبك» ليست كلمة تُقال لمجرد أن نطقها يمنح صاحبها سعادة لحظية؛ إنها تلامس مشاعر إنسان آخر، وقد تفتح بابًا لعلاقة تقوم عليها آمال ومواثيق ووعود. ومن لا يرى في نفسه قدرة على تحمّل آثارها، فالأجدر به ألا يطلقها بلا تبصّر؛ كي لا يجعلها أشبه بمادة مخدّرة تمنحه نشوة مؤقتة،.
وما معنى الحب حين يكرّر المرء الكلمة لأكثر من شخص في الوقت نفسه، أو في أوقات متقاربة؟ ما إن تنتهي علاقته بأحدهم حتى يطوي، كأن لم يكن، أنه قال له «أحبك»، ثم يمضي إلى شخص آخر فيقولها له، ثم إلى ثالث. أيكون هذا حبًا يتسع للجميع، أم كلمة استُهلكت حتى فقدت معناها؟ إن المشاعر ليست لعبة لتدوير العبارات بين القلوب.
وحين تُقال الكلمة بلا معرفة ولا نية صادقة ولا استعداد للمسؤولية، يصبح التعلّق بها بابًا للخذلان، ويغدو تزيين الرغبة باسم الحب ضربًا من خداع النفس؛ فليس كل انجذاب حبًا، ولا كل سعادة لحظية دليلًا على صدق المشاعر. ومن هنا، فإن صون هذه الكلمة يبدأ بالتريث قبل قولها، وبأن نسأل أنفسنا بصدق: هل نحب هذا الإنسان حقًا، أم نحب ما تمنحنا إياه هذه اللحظة؟
ومع ذلك، فإن تكرار الكلمة لا يسلبها قيمتها بذاته؛ فقد تقول الأم لابنها «أحبك» كل يوم، وتبقى الكلمة دافئة لأنها تجد ما يؤكدها في الحنان والرعاية. الذي يضعف معناها هو أن تُقال بلا صدق، أو بلا اعتبار لما قد توقظه في نفس المتلقي، أو بلا استعداد لتحمّل ما توحي به من قرب واهتمام.
الكلمة الصادقة لا تُقاس بعدد مرات تردادها، بل بمقدار الأمان الذي تتركه في القلب؛ وحين نقولها لمن نحب، فلنمنحها من صدقنا ما يجعلها جديرة بأن تُصدَّق.



