يُقال إن الحرية لا تنتمي إلى وطنٍ بعينه؛ فهي كالسماء، تظلّل الجميع ولا تحتكرها حدود. ويقول فرناندو بيسوا: «الحرية هي إمكانية العزلة؛ فأنت حر إذا استطعت أن تبتعد عن الناس دون أن تضطر إلى اللجوء إليهم».
وقيل إن الحرية هي حق الإنسان في أن يفعل ما يبيحه القانون، بينما ذهب آخرون إلى أنها قدرته على فعل ما يريد، حتى وإن تجاوز المألوف والمسموح. وبين حرية يصونها العقل، وأخرى تقودها الرغبة، يقف الإنسان أمام سؤال جوهري: هل الحرية أن أفعل ما أشاء، أم أن أمتلك القدرة على اختيار ما ينبغي أن أفعل؟
الحديث عن الحرية ليس جديدًا؛ فقد شغل الفلاسفة والمفكرين، وتناولته الشرائع والحضارات منذ أقدم العصور، وقامت باسمه ثورات، وسقطت أنظمة، وتغيرت دساتير وقوانين. ومع ذلك، بقي الإنسان في أعماقه تواقًا إلى الانعتاق من كل ما يشعره بالعجز أو يصادر إرادته؛ فهو يسعد حين يتكلم ويكتب ويختار ويسافر ويحقق ما يريد، لكنه قد ينسى أن الحرية إذا انفصلت عن المسؤولية تحولت من جناح يحمله إلى هاوية تسقطه.
وقد عرف التاريخ أشكالًا قاسية من العبودية؛ ففي حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة، وُجد الرق ضمن النظم الاجتماعية والاقتصادية، ثم اتسع في الحضارتين اليونانية والرومانية، حتى أصبح الإنسان يُشترى ويباع، ويُسخّر في الزراعة والمناجم والحروب وخدمة البيوت، وكأنه متاع لا روح فيه ولا كرامة.
وفي العصور الوسطى، استمرت صور الرق والتبعية القسرية في مناطق متعددة من العالم، واختلفت أشكالها بين حضارة وأخرى. أما في العصر الحديث، فقد بلغت تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي واحدة من أبشع صورها، حين اقتُلعت أعداد هائلة من الأفارقة من أوطانهم، وسِيقوا مقيدين إلى أراضٍ بعيدة؛ ليعملوا بالقوة ويُحرموا من أسمائهم وأسرهم وإنسانيتهم.
وكان المجتمع العربي قبل الإسلام يعرف الرق أيضًا؛ فقد يقع الإنسان في العبودية بسبب الحرب أو السبي أو الخطف أو العجز عن سداد الدين، وقد يولد طفل فيرث الرق من أمه، فيُحكم عليه بالعبودية قبل أن يعرف معنى الحياة أو يملك حق الاختيار.
وفي القرن السابع الميلادي، جاء الإسلام إلى عالم لم تكن العبودية فيه حالة عربية منفردة، بل نظامًا عالميًا راسخًا تتكئ عليه اقتصادات ومجتمعات بأكملها. فجاء بمنظومة تعيد إلى الإنسان أصله المكرّم، وتعلن أن الناس جميعًا ينتسبون إلى أصل واحد، وأن التفاضل الحقيقي لا يكون باللون أو النسب أو المال، وإنما بالتقوى والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
ولم تكن معالجة الإسلام لهذا الواقع الاجتماعي المتجذر شعارًا عابرًا، بل مسارًا تشريعيًا وأخلاقيًا اتجه نحو تحرير الإنسان؛ فحرّم استعباد الإنسان الحر وخطفه وبيعه. وجاء في الحديث القدسي: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة»، وذُكر منهم: «رجل باع حرًّا فأكل ثمنه». كما وسّع أبواب العتق، وجعل تحرير الرقاب من أجلّ القربات، فقال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ﴾.
إن الحرية في التصور الإسلامي ليست إطلاقًا للنفس كي تعبث بما تشاء، وإنما ارتقاء بها حتى لا تكون أسيرة لرغبة عابرة أو نزوة طارئة. وحين قال الله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، لم يكن في ذلك إلغاء لإرادة الإنسان، بل حماية لها من أن تسقط في أسر رغباتها. فليس حرًّا من أطاع هواه في كل ما يأمره به؛ بل الحر من امتلك نفسه حين تدعوه رغباته إلى ما يهدر كرامته ويطفئ نور روحه.
أن تأكل ما تشاء حرية، لكن جمالها يكتمل حين تختار ما يحفظ جسدك، وتقف عند حدود ما حرّمه الله من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلّ لغير الله به.
وأن تسافر حرية، لكن ليس إلى مكان يسلبك دينك أو شرفك أو إنسانيتك، ويعيدك إلى نفسك غريبًا مثقلًا بالندم.
وأن تختار أصدقاءك حرية، لكن العاقل لا يمنح قربه لكل عابر؛ فعن المرء لا تسأل، واسأل عن خليله. وليست الحرية أن تصاحب من تشاء دون بصيرة، بل أن تختار من يحفظ غيابك، ويعينك على الخير، ويذكّرك بكرامتك حين توشك أن تنساها. فلا تجعل للشيطان عليك سبيلًا، فيزيّن لك صحبة السوء، أو يقودك إلى علاقة تفقدك بهاء ذاتك من أجل نزوة عابرة أو غفلة قصيرة.
كثيرًا ما نسمع من يقول: «أنا حر، أفعل ما أشاء». نعم، لقد منح الله الإنسان عقلًا وإرادة، وانتشله من عبادة الإنسان للإنسان إلى عبادة الله وحده، وهي العبودية التي تحرره من الخضوع لكل ما سواه. لكن عليه أن يتذكر أن حتى الصحراء لها حدود، وأن البحر ينتهي عند الشاطئ، وأن الشمس والقمر يجريان في فلك محسوب، فلا يصطدم أحدهما بالآخر، ولا يطغى أحدهما على نظام الكون.
لا توجد حرية مطلقة في هذا الوجود؛ فكل حرية تقف عند كرامة صاحبها وحقوق الآخرين وأمن المجتمع. ومنطق «أفعل ما أشاء» قد يكون وهمًا تزيّنه النفس للإنسان، ثم لا يفيق منه إلا بعد أن تأخذه رغباته إلى طريق لا رجعة منه، أو إلى وادٍ سحيق لا يستطيع الخروج منه إلا بثمن باهظ؛ وليس هناك ثمن أفدح من أن يفقد الإنسان إنسانيته واحترامه لنفسه.
ومن هنا، يجب أن نعلّم أبناءنا وطلابنا، منذ نعومة أظفارهم، أن الحرية سلاح ذو حدين: حد يفتح أبواب الإبداع والجمال والكرامة، وحد يقود إلى الندم والخسران إذا غاب عنه العقل والضمير. وأن الإنسان الحر ليس من يفعل كل ما يخطر له، بل من يعرف متى يتقدم، ومتى يتوقف، وأي طريق يليق بكرامته.
فالحرية ليست انفلاتًا من القيم، ولا تمردًا على الفضيلة، وإنما وعي يجعل الإنسان سيد قراره، لا عبدًا لهواه. إنها أن تمتلك القدرة على الفعل، ثم تمتلك شجاعة الامتناع حين يكون الفعل مهينًا لك أو مؤذيًا لغيرك.
وتلخص هذه الأبيات معنى الحرية العاقلة المهذبة:
حُرٌّ مَنِ استعلى على نزواتِهِ
وجَعَلَ الرشادَ لدربِهِ ميزانا
ليسَتْ حريةُ النفوسِ تَفَلُّتًا
حتى يصيرَ المرءُ فيها مُهانا
والقيدُ ليسَ حديدةً في مِعصمٍ
قد تُلبسُ الشهواتُ روحَكَ هَوانا
إنَّ الحريةَ أن تصونَ كرامةً
وتَرُدَّ عن دربِ الأذى عُدوانا
فاجعلْ من العقلِ الرشيدِ بصيرةً
ومن الضميرِ على الخُطا بُرهانا
فالحرُّ مَن ملكَ الهوى بقيادِهِ
لا مَن غدا لهواهُ عبدًا هانا



