في حياة الإنسان شخصيات يمرّ بها مرور الإعجاب، وأخرى يقرأ عنها فيحترمها، وثالثة تترك في أعماقه أثراً لا يزول مهما تعاقبت الأيام. وأبو الفضل العباس (عليه السلام) من ذلك الصنف النادر الذي لا يكتفي الإنسان بقراءته أو الإعجاب به، بل يشعر أنه يقف أمام مدرسة أخلاقية وإنسانية متكاملة، كلما تأملها اكتشف بعداً جديداً من معاني السمو والوفاء.
وحين أسأل نفسي: ما هي حكايتي مع العباس؟ أجد أنني لم أتعرف إليه من خلال بطولة السيف أولاً، ولا من خلال شجاعة الميدان، بل من خلال موقف إنساني صغير في حجمه، عظيم في معناه، موقف اختصر شخصية العباس كلها في لحظة واحدة.
تروي المصادر التاريخية المعتبرة أن العباس (عليه السلام) لما وصل إلى نهر الفرات يوم عاشوراء، بعد أن شق صفوف الأعداء ووصل إلى الماء، كان العطش قد بلغ منه مبلغاً عظيماً. مدّ يده إلى الماء ليشرب، وهو الذي حُرم الماء أياماً طويلة تحت حرارة الصحراء، لكن في تلك اللحظة تذكر عطش الحسين (عليه السلام)، وتذكر الأطفال والنساء في الخيام، فرمى الماء من يده وهو يخاطب نفسه:
«يا نفس من بعد الحسين هوني
وبعده لا كنتِ أن تكوني
هذا حسين وارد المنون
وتشربين بارد المعين»
فامتنع عن الشرب وعاد يحمل الماء لأهل الخيام.
قد يقرأ البعض هذه الحادثة باعتبارها موقفاً تاريخياً جميلاً، لكن التأمل فيها يكشف أنها واحدة من أعظم الانتصارات الأخلاقية في تاريخ الإنسان.
فالعباس هنا لم ينتصر على جيش، بل انتصر على نفسه.
وليس هناك معركة أصعب من معركة الإنسان مع رغباته وشهواته ومصالحه الخاصة.
إن كثيراً من الناس يستطيعون أن ينتصروا على خصومهم، لكن القليل منهم يستطيع أن ينتصر على نفسه عندما تدعوه إلى الراحة أو المصلحة أو اللذة أو النجاة الشخصية.
في تلك اللحظة كان الماء أمامه، ولم يكن أحد يمنعه من الشرب، ولم يكن أحد سيحاسبه لو شرب، بل إن كل الظروف كانت تبرر له ذلك، لكنه اختار أن يقدم حاجات الآخرين على حاجته، وأن يكون وفاؤه للحسين (عليه السلام) أقوى من عطشه.
وهنا تكمن عظمة العباس.
لقد علّمنا أن الوفاء ليس كلمة تقال، بل موقف يُدفع ثمنه.
وعلّمنا أن الحب الحقيقي ليس شعوراً عابراً، بل استعداد للتضحية.
وعلّمنا أن القيم لا تظهر في أوقات الراحة، وإنما تتجلى عندما تتعارض مع رغبات النفس.
كلما تأملت هذا المشهد شعرت أن العباس لم يكن يحمل قربة ماء فقط، بل كان يحمل رسالة أخلاقية خالدة إلى الأجيال.
رسالة تقول إن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يترك.
ولا يُقاس بما يأخذ، بل بما يعطي.
ولا يُقاس بما يرفعه الناس من شعارات، بل بما يقدمه من مواقف عندما تحضر لحظة الاختبار.
ولعل حاجتنا إلى العباس اليوم أكبر من أي وقت مضى.
فنحن نعيش زمناً أصبحت فيه النفس تُبرر كل شيء، والشهوة تُسوّغ كل شيء، والمصلحة الشخصية أصبحت عند بعض الناس مقدمة على الحق والواجب والقيم.
كم من إنسان يعرف الصواب لكنه يتركه إرضاءً لهواه؟
وكم من إنسان يبيع مبادئه من أجل منفعة عابرة؟
وكم من إنسان ينتصر لرغباته ثم يظن أنه انتصر؟
إن العباس (عليه السلام) يقدّم لنا درساً معاكساً تماماً؛ فالعظمة الحقيقية تبدأ عندما يستطيع الإنسان أن يقول لنفسه: لا.
لا للهوى إذا خالف الحق.
ولا للشهوة إذا أبعدت عن الله.
ولا للمصلحة إذا كانت على حساب المبادئ.
إن حكايتي مع العباس ليست حكاية رجل من الماضي، بل حكاية قيمة ما زالت حية في كل زمان. فكلما واجه الإنسان صراعاً بين الواجب والرغبة، وبين المبدأ والمصلحة، وبين الحق والهوى، عاد صوت العباس يتردد في ضميره ليذكره بأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق على الآخرين، بل تلك التي تتحقق على النفس الأمارة بالسوء.
وهذا هو الدرس الذي تحتاجه مجتمعاتنا اليوم: أن نربي أنفسنا وأبناءنا على الوفاء قبل المنفعة، وعلى التضحية قبل المكسب، وعلى المبادئ قبل الشهوات؛ فبذلك وحده نصنع إنساناً يشبه العباس في أخلاقه، وإن لم يبلغ منزلته، ويقترب من روحه، وإن لم يدرك مقامه.



