اتجهت دراسات عديدة في علم النفس والسلوك الإنساني إلى البحث في العلاقة بين المال والسعادة وجودة الحياة، وكانت النتائج تحمل دلالات تستحق التأمل. فقد أشار عدد من علماء النفس إلى ما يُعرف بظاهرة "الاستهلاك التعويضي"؛ حيث يحاول بعض الأشخاص سدّ فراغهم النفسي أو معالجة مشاعر النقص والضيق عبر الشراء المتكرر أو إشباع الرغبات بصورة مستمرة، ظنًّا منهم أن المزيد من الإنفاق سيمنحهم مزيدًا من الراحة والرضا. لكن الدراسات وجدت أن الشعور بالمتعة الناتج عن هذا النوع من الإنفاق غالبًا ما يكون مؤقتًا، ثم يعود الإنسان إلى نقطة الفراغ نفسها، وربما بشكل أشد.
وحين قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:46]، لم يترك مفهوم الزينة مفتوحًا بلا ضوابط، ولم يجعل كل ما يشتريه الإنسان أو يملكه أو يستمتع به زينةً حقيقيةً لمجرد أنه مباح أو مرغوب أو يحقق لذة عابرة. بل إن الآية نفسها وضعت حدًا دقيقًا ومعيارًا واضحًا؛ فالله سبحانه لم يقل إن المال هو الحياة، بل قال إنه زينة الحياة، والزينة شيء يُضاف إلى الأصل، لا الأصل نفسه. والزينة إذا تجاوزت حدّها تحولت من جمالٍ إلى عبء، ومن نعمةٍ إلى فتنة، ومن متاعٍ إلى سبب شقاء.
وقد بيّن أهل التفسير أن المال سُمّي زينةً لما فيه من جمالٍ ونفعٍ ومكانةٍ بين الناس، لكن المقصود ليس التعلّق به ولا جعله مقياسًا للنجاح أو وسيلةً لإرضاء النفس بلا حدود. (
هناك من يفهم المال على أنه تصريح مفتوح لكل رغبة، فيظن أن عبارة: "مالي وأنا حر فيه" تمنحه الحق في أن يجعل أمواله تسير خلف شهواته ورغباته حيث شاء، ما دام الطريق في ظاهره مباحًا. لكنه ينسى سؤالًا مخيفًا ينتظره يوم القيامة؛ حين قال النبي ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل… عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفق).
لاحظ أن السؤال ليس: كم ملكت؟ بل: أين ذهب المال؟
فكم من إنسان أنفق أموالًا كثيرة ليشتري ما ظنه راحةً لنفسه، فإذا به يشتري تعبًا طويلًا!
يشتري أحدهم سجائر بأمواله، وهو يعلم أنها تستنزف صحته شيئًا فشيئًا، وتسرق أنفاسه وأيامه، وتؤذي من حوله قبل أن تؤذيه، وقد تترك في قلوب والديه ألمًا أو حسرة أو خوفًا لا يراه بعينه. يدفع المال بيده، لكنه في الحقيقة يدفع شيئًا من عمره، وصحته، وهيبته النفسية، والاجتماعية.
ويشتري آخر متعًا شخصية لا تنتهي؛ يبالغ في الإنفاق على رغباته العابرة، ويمنح المال لكل من يجامله أو يحقق له مصلحةً مؤقتة، بينما طفل في بيته ينتظر هدية نجاح، أو أم تتمنى منه لفتة محبة، أو أب يتمنى منه برًّا، أو قريب ينتظر منه مساعدة، أو جار ضاقت به الحال.
أيُّ وجعٍ أكبر من أن يرى القريبُ الغريبَ يأخذ نصيبه من المال بينما يُحرَم هو من الكلمة الطيبة والاهتمام والعطاء؟
ليس الفقر دائمًا قلة المال؛ أحيانًا يكون الفقر أن يعيش الإنسان وسط الوفرة لكنه محروم من عدالة المشاعر.
كم من بيت امتلأ بالأجهزة الفاخرة لكنه افتقر إلى السعادة، وكم من إنسان اشترى أشياء كثيرة لكنه فقد نفسه أثناء الشراء.
وقد أظهرت دراسات في علم النفس الإيجابي أن الإنفاق على العلاقات الاجتماعية، ومساعدة الآخرين، ودعم الأسرة والعمل الخيري، يرتبط بدرجات أعلى من الرضا النفسي مقارنة بالاستهلاك المتمركز حول الذات.
لذلك لم يربِّ الإسلام الإنسان على أن يسأل: "هل هذا حلال فقط؟" بل ربّاه على سؤال أعمق:
هل هذا ينفع؟
هل هذا يصلح؟
هل هذا يُرضي الله؟
هل هذا يترك أثرًا حسنًا؟
فقد يكون الشيء مباحًا لكنه يورث أذى، وقد يكون جائزًا لكنه يسرق من الإنسان مكانته وهيبته واحترامه لنفسه.
قال تعالى:
"﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾" [النساء:5]
تأمل كلمة قيامًا؛ أي أن المال ليس للعبث، بل ليقوم به الإنسان وتقوم به حياته. فالمال خادم للحياة، لا سيدٌ عليها.
ويقول الشاعر:
إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتهُ
وإن أنتَ أكرمتَ اللئيم تمرّدَا
وقال آخر:
المالُ إن لم تُفدْهُ كان فتنةً
وليس يبقى لذي الأموال ما جمعا
ولعل من أشد المواقف تأثيرًا أن ترى رجلًا جمع مالًا طويلًا، وأنفقه في الملذات والمظاهر والعلاقات المؤقتة، حتى إذا اشتد به المرض ودخل غرفة العلاج قال بحسرة: "ليتني اشتريت بهذا المال أيامًا مع أهلي، أو دعوة من أمي، أو فرحة لطفل، أو صدقة بقيت لي."
عندها يكتشف أن بعض الأشياء لا تُشترى مهما امتلك الإنسان.
لسنا المالكين الحقيقيين للأموال؛ نحن مستخلفون فيها.
قال تعالى:
"﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾" [النور:33]
فهو لم يقل: "من أموالكم"، بل قال: من مال الله الذي آتاكم.
إنها رسالة عظيمة: المال مرَّ بين أيدينا لكنه لم يولد معنا ولن يدفن معنا.
فإذا خرج عن ميزان العدل والرحمة والحكمة تحول من زينة الحياة إلى مفسدة الحياة.
فالزينة الحقيقية ليست أن تملك المال؛ بل أن يظل المال في يدك دون أن يستولي على قلبك، وأن تُسعد به من حولك قبل أن تُتعب به نفسك، وأن يكون شاهدًا لك يوم القيامة لا شاهدًا عليك.
فالمال الذي يُصلح القلوب زينة، والمال الذي يهدمها فتنة، وبين الزينة والفتنة شعرة اسمها: حسن التصرف فيما أعطى الله.



